وقد حاولت أن اطرح الإشكالية كالتالي:
إن التنوع في ألوان البشر ولغاتهم ومعتقداتهم يمثل آية من آيات القدرة الإلهية، كما يمثل تنوع الزهور ومشاهد الطبيعة آية يستمتع بها الإنسان، إلا أنه لم يستمتع بتنوعه هو نفسه (وفي أنفسكم أفلا تبصرون). إنه قادر على أن ينظر حوله لكنه لا يبدو قادراً على الاستمتاع بأبناء جنسه، إنها مشكلة لعلها هي التي دعت هذا الجمع من العلماء والحكماء أن يؤموا هذه الديار ليتدارسوا ذلك.
لماذا هناك مشكلة لا تسمح لبعضنا أن يرى الجمال في البعض الآخر؟ لماذا يضيق بعضنا ذرعاً بالبعض الآخر؟ لماذا لا يشعر بالارتياح إليه؟ لماذا يتمنى لو أنه رماه مكاناً قصياً خارج الأرض؟ لماذا يتمنى له الموت؟ بل لماذا يميته؟ بل لماذا يميت نفسه أحياناً ليموت الجميع؟
إنه اليأس، إنه الإحباط، إنه الجنون، إنه الإنسان في حيوانيته... في بدائيته في توحشه.
إنه الإنسان إذا أبغض الإنسان فضل عليه الحيوان كما قال الشاعر العربي:
عوَى الذِئْبُ فاسْتَأْنَسْتُ بالذِّئْب إِذْ
عَوَى وصَوَّتَ إِنسانٌ فكِدْتُ أَطِيرُ
إننا ندرك هنا أن كل التطورات العلمية الهائلة وتسخير عناصر الكون لم تحدث تطورا كبيراً في الطبيعة العدوانية للإنسان.
لماذا العدوانية؟ لماذا هذا الحقد؟
ألسنا جميعاً شركاء في الحياة على هذا الكوكب؟ ألسنا نستنشق نفس الهواء ونعيش على نفس الغذاء؟ أليس إلهنا واحد وأبونا واحدً؟ هذا ما تقوله الرسالات السماوية التي نؤمن بها.
ألسنا جميعاً نحب الحياة والسعادة ونكره الفناء والتعاسة؟
ما هي المشكلة؟
هل هي مشكلة اختلاف القيم؟ أم مشكلة اختلاف الثقافة؟ أم مشكلة المصالح الحقيقية والمتوهمة؟
أم أنها حالة نفسية من الجنون لا يمكن أن تسعها العبارة؟ أم أنها مشكلة سوء الفهم وعقدة الأقارب؟
من المسؤول؟ هل يمكن أن نقول إن الكل مسؤول والكل بريء؟
إنها أسئلة كثيرة لكن الإطفائيين لا يسألون من أشعل النار بل إنهم يطفئون الحريق. ذلك ما سنحاول.
ومن المفارقات أن الكثير من العقلاء، مثقفين وأناساً عاديين، يرغبون في تغيير هذا الوضع، لكن مفتاح التواصل الروحي لا يزال مفقوداً، فالأزمة أزمة تواصل، إذا فنحن هنا للبحث عن مفتاح.
ليس لدينا مفتاح سحري سوى كلمات من الحكمة.
إننا نملك تقديم موعظة فقط بل إننا لن نستطيع تقديم خطة لفض بعض اشتباك العواطف.
وإذا قدمنا خطة فلن نستطيع تنفيذها.
فماذا نقدم؟
هذا ما سنحاول الاجابة عليه في المقال المقبل.