العلامة بن بيه لـ (الأمة) : على حكوماتنا  الإسلامية محاولة استرجاع علمائها من الخارج

14/5/2007 م

شدد على ضرورة عودتهم

 

عناوين فرعية:

- لا يمكن إصدار فتوى شرعية تلزم الكفاءات بالعودة لبلادهم

- لا يجوز للمسلم الانخراط في وظائف تضر بالمسلمين و الإنسانية

 

حوار: الأمة

       الوجهة الشرعية هي جزء رئيس ضمن معالجات هجرة العقول العربية والإسلامية للخارج، ولا تزال هذه الوجهة لم تأخذ حقها الطبيعي في سياق المعالجات التي تمت حتى الآن، نحاول في هذا الحوار تسليط الضوء على بعض النقاط الشرعية والتي أجاب عنها العلامة الشرعي الدكتور عبد الله المحفوظ بن بيه  وزير العدل الموريتاني السابق ونائب رئيس مجلس الإفتاء الأوربي، فإلى نص الحوار :  

  

إصدار فتوى

** فضيلة الشيخ دعني أبدأ معك من الواجهة الشرعية، هل يمكننا إصدار فتوى شرعية تلزم كفاءتنا الإسلامية في الخارج بالعودة لبلدانهم للاستفادة منهم.مع الأخذ في الاعتبار عدم إمكانية رجوع بعض هؤلاء لغياب الحريات السياسية ولغياب المكان المناسب لهم في بلادهم الأصلية.    

هذه المسألة لا يمكن إطلاق الحكم فيها أو تعميم موقف منها، فهذه المسألة  تحتاج إلى تفصيل، وكل حالة لها حكمها، فهناك من الأشخاص من يكون نابغاً     ويستطيع الرجوع لبلاده، وهناك من يجد مضايقات في دينه،وهناك من ليس كذلك فقد يكون نابغاً في المكان الذي هو فيه لأنه يدعو إلى الله وقد لا يجد سعة في بلاده فهذا يجوز له أن يبقى في البلاد، بالمجمل لا يوجد حكم عام ممكن أن يطلق في هذا. 

 

النصوص الشرعية

** شيخ عبد الله إذا لا يمكننا إصدار فتوى شرعية في ذلك كما قلت، لكن هناك من يستند على حديثين للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا المفهوم، الأول :( لا هجرة بعد الفتح) والثاني :( أنا بريء من كل مسلم يقيم بين ظهراني المشركين)، كيف لنا أن نوضح المفهوم الأصلي من هذين الحديثين؟

أما حديث البراءة من المسلم الذي يقيم في بلاد المشركين، حديث تكلم العلماء أولاً فيه ثم على صحته أو على حسنه، تكلموا في تأويله لأنه ورد في حالة خاصة فبالتالي هو من قضايا الأعيان، لإحالة أشخاص أقاموا بين ظهراني قوم مشركين بينهم وبين المسلمين حرب فقتل بعضهم،  فورد الحديث موردا خصوصياً بالنسبة لهذه القضية، خصوصاً الذي قد يمنعهم من الحكم  كما أنه في الأصل لا يمنعهم من الحكم، كما أن هناك كثير من العلماء قالوا انه يمنعهم من الحكم بخاصة إذا قامت قرائن على ذلك كما ذكره المازري في شرح صحيح البخاري.

 

** أفهم من حديثك شيخ عبد الله أن هناك أحاديث تجيز الإقامة.

نعم .. هناك أحاديث أخرى تدل على جواز الإقامة منها حديث كدي في سنن ابن ماجه يقول فيها الرسول صلى الله عليه وسلم :"يا كدي فأقم الصلاة وآت الزكاة وأهجر السوء واسكن من دار قومك حيث شئت" وقوم كدي كانوا أهل كفر.

وفي ذلك أيضاً أمر النبي صلى الله عليه وسلم العباس أن يقيم في مكة بعد إسلامه وهناك حديث الذي رواه أحمد في المسند وهو البلاد بلاد الله والعباد عباد الله حيث ما أصبت خيراً فأقم أو كما قال عليه الصلاة و السلام مع أن الحديث فيه ضعف. وهناك حديث نعيم النحام الذي قام بين قومه وقال له النبي صلى الله عليه وسلم  إن قومك كانوا خيراً من قومي، ......) و أحاديث كثيرة من هذا النوع ذكرها العلماء تجيز الإقامة وهذا مذهب ثلاثة من الأئمة الشافعي وأحمد و أبي حنيفة خلافاً لمالك الذي لا يجيز الإقامة في دار غير المسلمين، فالمسألة فيها خلاف وفيها أحاديث تشهد لهؤلاء وأولئك.

 

الوظائف السياسية

** انخرط عدداً من المسلمين المهاجرين للدول الغربية بوظائف لها علاقة الطابع السياسي، وهذه الوظائف تجعلهم لا ينحازون لدولهم الإسلامية ، أليس هذا من الخلل في وضع هؤلاء المهاجرين والولاء للكافرين.

    أولا المسلم لا يجوز له انطلاقا من دينه عقيدته أن يشتغل في وظيفة تضر بالناس، وبالتالي المسلم لا يمكن أن يصنع سلاحاً نوويا مثلا يقتل الناس، بغض النظر عن كون هذه الوظيفة تضر بالمسلمين وغير المسلمين، المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، فالمسلم بطبيعة تكوينه الثقافي والعقدي، وبطبيعة التزامه الديني لا يجوز له أن يشتغل بوظائف تضر بأحد.

 ** إذا كيف يستطيع المهاجر المسلم في بلاد الغرب أن يطبق قاعدة الولاء والبراء؟

أما بالنسبة عن الولاء و البراء، في هذه المسألة كثر فيها الخطأ والغلط والسقط، فالولاء أولاً أنواع ليس ولاءً واحداً، فهناك ولاء يكون للمؤمنين ولاء بالعقيدة كما في قوله تعالى :{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا}، هناك ولاء في النسب كما في قوله تعالى{ وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض من كتاب الله} هناك ولاء يكون بالحلف بالصداقة فبالتالي فالولاء للأوطان أو للمواطنين أو للعلاقة مع الوطن، هنا لا يوجد تنافي بين هذا الولاء وبين الولاء للدين، لأن مجالات الولاء مجالات متعددة ما لم يطغى ولاء على ولاء، أو يكون هذا الولاء لهذا الوطن يضر بالدين، فهذا هو الأمر المحذور، بعض الناس غالى في هذه القضية حتى جعلها من العقائد، والإمام أحمد عاب هذا الأمر الولاء و البراء ونسبها لطوائف إسلامية منحرفة، إذا كان الإمام أحمد يقول ذلك فما بالنا الآن نحي هذا بشكل فيه خطأ وفيه تجاوز عن الحق وتجاوز للحقيقة، ما جعل الناس يكفرون الناس.

** وهل هناك أنواع أخرى للولاء؟

 نعم .. هناك أنواع أخرى للولاء وهو ولاء لغير المسلم من أجل كفره وهذا ولاء له في العقيدة وهذا كفر أن تحبه من أجل أنه يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله، وولاء على أعمال منافية للشرع ومنها الاعتداء على المسلمين وغير المسلمين وهذا الولاء حرام وليس كفرا، ولاء ثالث هو ولاء في المعاشرة في أمور الدنيا وهذا جائز بل قد يكون متعينا حسب المصلحة التي يجلبها، إذا أردت أن ترجع إلى بعض المراجع فيها فارجع إلى كتاب تفسير فخر الرازي في سورة آل عمران عند قوله تعالى:{لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاه..} فالمصلحة تتدخل هنا ، لذا فهذه مسألة من المهم جداً أن نشرحها لشبابنا ليعرفوا الحق كما هو بدون أي رتوش أو إضافات.        

  

فقه الأقليات

** من العلماء المعاصرين من يقول أنه لا يوجد ما يسمى بفقه الأقليات، لأن الشريعة واحدة للجميع، والأدلة لا تتغير، فكيف نضع لهم فقهاً جديداً، والمعلوم أن استنباط الأحكام هو من نفس الأدلة الشرعية، فلماذا إذاً نسميه فقهاً خاص بفقه الأقليات.

مصطلح الأقليات هو مصطلح حديث لم يكن معروفاً في القديم، لأن معالجة قضايا الأقليات لم تكن مفردة بتأليف،وحتى أنها لم تكن مستقلة ببحوث خاصة بها، ومع ذلك فإن هذا المصطلح له ما يقرره.

** لماذا؟                                                              

لعدد من الاعتبارات أولها هو أن هذه الأقليات لها حاجاتها وضروراتها التي تختلف عن أوضاع المسلمين في ديار الأكثرية، وهي حاجات تغطي ميادين كثيرة منها الميادين السياسية والاشتراك في الانتخابات في هذه الديار ودخول الأحزاب والعمل السياسي، ودخول البرلمانات. ومنها ميادين اجتماعية كالعلاقات مع أفراد وجماعات تختلف في دياناتها عن الأقلية، ومنها ميادين المعاملات كالبيوع والتجارة، وميادين الآداب والأخلاق كعلاقات حسن الجوار وإلقاء التحية والسلام والتهاني عند الأفراح والتعازي عند الأتراح، وزيارة المرضى. ومنها ما يتعلق بالأطعمة كالتعامل مع الأطعمة التي قد تدخلها بعض المواد غير الطاهرة كالخمر مثلاً وبعض خلايا الخنازير، ومسائل الذبائح إلى غير ذلك من العلاقات كعلاقات النسب والصهارة.

 

** ما ذكرته الآن من مبررات شيخ عبد الله يؤكد الوضعية الخاصة لهذه الأقليات المسلمة.

نعم .. فلهذه الأقليات أوضاعها الخاص، ما برر أن ننظر إليها نظرة خاصةً في الاستنباط  الفقهي، وهذا لا يعني بالضرورة ولا يعني قطعاً إحداث فقه غير قائم على ثوابت الكتاب والسنة أو خارج معايير استنباط الأحكام، تلك المعايير التي وضعها علماء الأمة في علم أصول الفقه والقواعد، بل يعني استنفار كل الطاقات الفقهية اعتمادا أولاً على الكتاب والسنة و اعتقادا بأقوال فقهاء الأمة واستنادا إلى الأصول الكلية في جدلية بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية، إنه ميدان لا يحسن خوض غماره إلا السباح الماهر، وإلا الفقيه المتمرس.

 

** (مقاطعاً)عندما نقول فقه الأقليات فإننا نعني الاجتهاد بذلك شيخ عبد الله.

 نعم عندما نقول "فقه الأقليات" فإننا نعني هذا النوع من الاجتهاد الذي يعتمد ثلاثة أنواع من أنواع الاجتهاد، النوع الأول اجتهاد مطلق يعتمد على وسائل الاجتهاد المطلق التي ترجع إلى دلالات الألفاظ والمعاني الكلية دون الاستناد إلى قول سابق أو إلى مذهب متقدم، والنوع الثاني اجتهاد ترشيح انتقائي يختار بين الأقوال ويرجح ما كان مرجوحاً في الماضي ولم يكن راجحاً بناءً على ضرورة حدثت أو حاجة تشتتت،وهذا النوع طبعاً من الاجتهاد ليس بدعاً ولا بدعة وقد تعامل معه العلماء منذ عصور طويلة وقد عرف عند المالكية،  وهو يرجح القول الضعيف بناء على مصلحة تجددت، أما النوع الثالث من الاجتهاد وهو ما يسمى بالاجتهاد في تحقيق المناطِ، وهو اجتهاد لا ينقطع كما يقول الشاطبي رحمه الله تعالى ويستوي فيه المجتهد الذي كملت له آلات الاجتهاد وأدواته، والمقلد الذي لم تكن له هذه الأدوات، لأن الاجتهاد في تحقيق المناطِ وتطبيق القاعدة على أحاد وعلى صور متجددة هو أمر لا يمكن أن ينقطع، لأنه لو انقطع لانقطعت الشريعة - كما يقولون-  بالإضافة إلى هذا كلمة أقلية هي كلمة معروفة في المعاهدات والوثائق الدولية، وبالتالي فنحن نستعمل مصطلحاً معروفاً الذي لا ينكره أحد في الغرب لوجود قوانين تنص على حقوق خاصة للأقليات، فإضافة الفقه لها من  نوع الإضافة المخصصة،  وهذا نوع من أنواع الإضافة التي ذكرها الإمام البخاري. فهذا المصطلح إذن صحيح فقها، صحيح واقعا، صحيح لغة أيضاً.

 

الاندماج الإيجابي

** ناديتم في أكثر من محفل بضرورة ما يسمى اندماج المسلمين الإيجابي في مجتمعاتهم الأوربية، لكن ألا تعتقد أن هذه المعادلة صعبة التطبيق في ضوء السياسات الغربية الجائرة تجاه قضايا المسلمين وفي ضوء الضغوطات الحاصلة على المسلمين في أوربا حالياً.

فعلاً هي معادلة صعبة، لكن ما هو الحل؟ الحل هو أن نواجه هذه المخاطر، فالاندماج غير الذوبان وهو المحافظة على العناصر الأساسية لهويتك الثقافية، وفي نفس الوقت تتعامل مع الآخر تعاملاً إيجابيا في نطاق الفضاء الإنساني، أما الذوبان هو أن يفقد المسلم شخصيته وحقوقه الثقافية مقابل الاعتراف لك بحقوقك السياسية وهذا لا نرضاه ، وعلى المسلمين أن يكونوا على مستوى المسؤولية،والتحدي وليس الحل هو الهرب بل مواجهة ذلك بعقلانية وقدرة فائقة على التصرف تجعلنا في النهاية رابحين،ونحن نملك في أوربا مؤسسات طموحة وفاعلة وواعية وراشدة مثل مجلس الإفتاء الأوربي ، و اتحاد المنظمات الإسلامية، هناك عمل جيد رغم الامتعاض من السياسات الأوربية بقدر ما يسيء لكنه بنفس القدر يشير إلى أن الإسلام موجود ويتقدم ، والكثير من الأوربيين بدؤا يشعرون أن الإسلام ديانة جديرة بالاعتناق وهذا يقلق هذه الأوساط المحافظة المتصلبة.

 

الحكومات والكفاءات

** نريد منكم كلمة للحكومات الإسلامية ولعلمائها خارج القطر الإسلامي.

أوصي الجميع بتقوى الله وأن يرعى كل منهم ما ولي وما هو من اختصاصه، فالعالم المسلم في ديار الغرب عليه أن لا يوظف علمه ضد الإسلام والمسلمين أو الإنسانية بصفة عامة ، أيضاً على الحكومات الإسلامية محاولة استرجاع هذه الطاقات الإسلامية التي تكون أحيانا على مستوى عالٍ من التخصص، فالأوطان الإسلامية بحاجة إلى علمائها، ولحسن الحظ أن بعض البلاد الإسلامية استفادت من علمائها مثل باكستان وماليزيا لكن نرى أن هذه الاستفادة قد لا تكون شاملة وكاملة ولهذا من المهم جداً من جهود علمائهم ، ومن المهم لهؤلاء العلماء أن يخدموا بلادهم.