مقابلة الشيخ ابن بيّـه مع مجلة الجسور


تقنين الفقه


* شيخ عبد الله .. سأخرج عن إطار فقه الأقليات وإن كنت لن أخرج عن أبعاد الفقه والفتيا، ما رأيكم فيما يدعو إليه بعض الداعين اليوم من تقنين الفقه؟
في الحقيقة المسألة كما تعلم فيها أخذ و رد، من العلماء من يعارضها خيفة أن تكون وسيلة لتبديلِ الأحكام و تغييرها من منطلق بشريّ بحت، و منهم من لا يرى مانعاً من جعل هذه الأحكام في مدونة ـ ولنقل تدوين الفقه ـ يكون فيها مشهور المذهب الذي يحكم به، فنحن هنا في المملكة العربية السعوديّة نحكم بمشهور مذهب الإمام أحمد، و هذا هو الذي تجري عليه المحاكم، ومن أراد أن يعدل عنه فعليه أن يخبر لمحاكم العليا و مجلس القضاء الأعلى بنيّته تلك، ويقدم الحيثيات التي على أساسها خرج عن المذهب.
ومعنى هذا أنّ هناك فعليّاً نوعاً من التقنين للفقه في هذه المحاكم.
وبعض الكتب كالمقنع و غيره هي محاولات لتلخيص مشهور المذهب، فتدوين مشهور المذهب قد لا يكون أمرا إدّاً، وعليه فأنا أقترح أن نبتعد عن مصطلح (تقنين الفقه) ونستبدل به مصطلح (تدوين الفقه) أو تدوين المشهور من المذهب.
في هذا الإطار ليس ثمت مانع من أن يدوّن مشهور المذهب ويوضع بين يدي الفقهاء بشكل واضح بناء على أنهم في الغالب ليسوا مجتهدين، والحق أنّ المحاكم في هذا الزمان تحتاج إلى تدوين الفقه حتى لا يميل القاضي، و حتى نتمكّن في المحاكمات الدوليّة وعند الاتصال بمحامين دوليين أنْ نقول: راجع في مدونتنا الصفحة الفلانية و اقرأها بتمعن.
وينبغي أن تتضمَّنَ هذه المدونة فصولاً حول كيفية تقديم المرافعات إلى القاضي، وكيفية نظر القاضي في الدعاوى بحيث يفهم المحامي كيف يقدم الدعوى، ومارد الفعل الذي سيكون من القاضي، و يعرف أن الدعوى إذا كانت لها حيثيات مقبولة شرعاً فإن القفاضي سيقبلها، و يأمر الكاتب بتسجيلها، و سيوجه المدعي لتقديم البينات، وسيستجلب المدَّعَى عليه، ثم نَصِلُ إِلى مرحلة القرائن والأدلة و الأيمان ثم تصل إلى مرحلة البت و تدوين الحكم، هذا طيب جداً.


* إذن أنتم تؤيّدون (تقنين الفقه) على أن يسمّى (تدويناً) خروجاً من المحاذير.
نعم، أنا مع تغيير المصطلح، ومع تغيير المفهوم أيضاً؛ لأنه في الحقيقة تدوين كما فعل فقهاؤنا الأوائل عندما قاموا بتدوين المشهور من مذهب الإمام أحمد، وأحصوا الروايات والوجوه عارية عن الدليل.


* ألا تقودُ هذه التدوينات المذهبية إلى نزعةٍ إقليمية؟
لا أتصوّر هذا، لأن المسألة لا تعدو نوعاً من التقنين والتهذيب لما هو موجود أصلاً، فالمحاكم الشرعية في كل بلدٍ تحكم بمذهب من المذاهب، ولن يختلف شيءٌ إذا قلنا: اصنعوا مدوّنة قضائيّة لهذا المذهب أو ذاك.
ودعني أضيف لك بعداً جديداً من فوائد هذه المدوّنات، عندما تعلن بلادٌ ما رغبتها في تطبيق الشريعة فستكون هذه المدوّنات خير معين لها.
وقد أشرفت يوم كنت وزيراً للعدل على مدوناتٍ كتبت في موريتانيا في الأحوال الشخصية.
نحن نفهم الخشية التي عند العلماء من تحول الفقه إلى أمر تعمل فيه المراسيم و النظم، ولكننا نفهم أيضا أهمية أن تكون لدى المحاكم في هذا الزمان مدوّنات حاصرة نظراً لاتساع نظرها، وكثرة أعمالها، وقلة إحاطةِ بعضٍ من قضاتها بالفروع.


مدرسة الحديث ومدرسة الفقه


* حديثكم عن المدوّناتِ وما قد تحدثه من اتفاق الكلمة القضائيّة يذكّرني بما تشهده الساحة الفقهيّة من تشرذمٍ وتنابزٍ بسبب اختلاف الآراء، ولاسيما بين مدرستي: الحديث والرأي. أو بين المحدّثين والفقهاء، هل تؤمنون بهذه الانفصاليّة بين الجانبين؟ وهل الخلاف بينهما أمرٌ حتميّ؟
هذ الشقاق مشكلة كبيرة، ونرجو أن يتجاوزها الإخوة جيمعاً بالروح التي تجاوزها بها الأوّلون. كان أحمد محدثاً وفقيهاً، و لا يرى بأساً بالتقائه بابن معين و غيرِهِ من المحدثين، وكان الشافعيّ فقيهاً ويجالس المحدّثين. المحدّث يحتاج إلى الفقه، والفقيه يحتاج إلى الحديث، وهناك تكامل بين المدرستين لا بدّ منه. المحدّث إذا لم يكن فقيها لا يمكن الاعتماد عليه، والفقيه أيضاً إذا لم يكن له بصرٌ في الحديث وأصول الدّليل من كتاب وسنة فإنّه فقيهٌ ناقص، فلابد من التصالح والتضامن والتفاعل بين المدرستين حتى نستطيع مواجهة المشاكل الواسعة العريضة التي تواجهنا في هذا الزّمان والتي لا يمكن أن نتغلّب عليها إلا بصفٍّ مرصوصٍ، وفكر ثاقب، وفهمٍ واسع، والعباءة الإسلامية تسع الجميع.


* من المسائل التي دار فيها خلافٌ وجدلٌ بين الإسلاميين مسألة استضافةِ الوسائل الإعلامية الإسلاميّة لبعض من يصنّف في خانة العداء للإسلاميين، ما رأيكم في هذه القضية؟
الإنسان عليه دائماً أن يكون له ضمير حيّ. التمييعُ وهو ألا نعرف معروفاً، ولا ننكر منكراً هذا ليس صحيحاً. عندنا ثوابت دائمة، والحقّ حقّ وسيظلّ حقّاً، والباطل باطلٌ وسيظل باطلاً. نعم، قد يكون التعايش مع هذا الباطل ضرورة من باب ارتكاب أخف الضررين بتفويت أكبرهما، و اقتراف أهون الشرين لتفويت أعظمهما، أو من باب تفويت أصغر المصلحتين لتحصيل الكبرى. الإسلام مبنيٌّ على تحصيل المصالح و تكثيرها، وعلى درء المفاسد و تقليلها.
هذه المعادلة من خلالها يجب أن ننظر إلى هذه اللقاءات.. إذا كان فيها مصالح يمكن تحصيلها أو مفاسد يمكن درؤها، كأن نتجاوز بعض النزاعات التي قد تكون دامية فلا بأس بها. أما أن تكون لقاءات لغرض اللقاء فحسب، ولبهرجة الباطل، وخلط الأوراق فهذا ليس صحيحاً أبداً، والأمر دقيق.


*قد يكون من أهداف هذه اللقاءاتِ التأكيدُ على أنّ حملةَ الإسلام وورّاث الرسالة ليسوا منغلقين ولا خائفين من أحدٍ، وأنهم أوسع الناس صدراً للحوار ثقةً منهم بما عندهم.
نعم، نحن لسنا منغلقين، يمكن إشعار الآخر أننا نملك الحجة البالغة و البرهان و بالتالي لا نخشى شيئاً. هذه قاعدتنا.


* يلحق بهذه القضية قضية أخرى، وهي إتاحة بعض الوسائل الإعلامية الفرصة لنقدِ الصحوةِ ومسيرتِها ورموزِها نقداً يرى أصحابُهُ أنه لتقويم المسيرة، ويرى آخرون أنّه ضربٌ من معاونةِ شانئي الصحوة ومبغضيها. هل من تعليق؟
تقويم المسيرة شيء طيّب، و في سورة آل عمران قُوّمَتْ مسيرةُ ما بعد بدرٍ وأحدٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ((ولقد صدقكم الله وعده إذْ تَحُسُّونهم بإذنِهِ حتى إذا فشلتم وتنازعتُم في الأمرِ وعصيتُم من بعد ما أراكم ما تحبّون منكم من يريد الدنيا ومنكم مَنْ يريدُ الآخرةَ ثمّ صرفكم عنهم ليبتليَكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضلٍ على المؤمنينَ (152) إذ تُصْعِدون ولا تَلْوون على أحدٍ والرسولُ يدعوكم في أخراكم فأثابكم غمّاً بغمٍّ لكي لا تحزنوا على مافاتكم ولا ما أصابكم والله خبيرٌ بما تعملون))، فها نحن نرى كيف قومت مسيرة المسلمين بعد الانتصار و بعد الهزيمة و على ملأ من خلال الوحي. فتقويم المسيرة شيء حسن .
لكن لابد من التنبيه على أنّ التقويم يختلف عن التجريح، ويختلف عن الشماتة ، نقوّم المسيرة أي نصحِّحُها، نلغي العنف من الحياة ونضع مكانه الدعوة الصحيحة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والكلمة الواضحة.
وأنا أشدّد على هذا المعنى لأنّ التجريح والشماتةَ باسمِ التقويم قد يفضيانِ إلى فتنة وفرقةٍ واختلافٍ وربما إلى تهارجٍ واقتتالٍ، والرسول  حذّر من ذلك تحذيراً شديداً ((لا ترجعوا بعدي كفّاراً يضرب بعضكم رقاب بعض))، و قال عليه الصلاة والسلام لأبي ذرّ في شأن الطوائف التي تقتتل: ((إن بهرك السيف فاجعل الثوب على وجهك)). وهذا تحذير شديدٌ لا يفهمه إلا من رأى الاقتتال الداخليّ فعَرَفَ ضرورةَ تفويت أكبر الشرين بارتكاب أخفهما.
أنا أعتقد أن مسيرة عشرين أو ثلاثين سنة رفعت فيها الصحوة أعلاماً، وتحرّكت في اتجاهات متعددة هي مسيرة لها أهميّتها، ولكنّها تحتاج إلى تقويم و إلى تقويم [الأولى بمعنى بيان القيمة، والثانية بمعنى تعديل العِوَج]، والأمر يحتاج إلى كلام طويل، والمهمّ ألا أفهم خطأً أنا أدعو إلى التقويم ولو علناً لكنّ التقويم عندي شيءٌ يختلف بالكليّة عن التجريح.
 

الصفحة 1 2 3 4


 | عودة لصفحة الحوارات |