مقابلة الشيخ ابن بيّـه مع مجلة الجسور


لغة الخطاب مع الآخر


* لفت نظري استشهادكم بالعصر المكّيّ وهذا موضع سؤالٍ سأعرض له لاحقاً .. ولكني أودّ الآن سؤالكم عن حصيلةِ زياراتكم الكثيرة و حواراتكم المتعددة مع الغرب، ترى هل توصلتم إلى لغة خطاب مثلى مع الآخر الغربيّ؟ وما معالم هذه اللغة؟
معالم هذه اللغة تتحدد في كل بيئة من خلال جملة من المعادلات يستطيع الإنسان الذي له بصيرة و بصر واستبصار أن يرى من خلالها كيف يتكلم مع من يقابله، أنا أعتقد أن هناك جملة من الجوانب تنبغي مراعاتها:
أولا: علينا أن نقدم أنفسنا ونقدم هذا الدين على أنه منحة ربانية، ونقدم أنفسنا كدعاة إسلام و سلام لا كغزاة، و لا كمن يريد فرض نفسه على الآخرين ((ادْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة و الموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن)).
ثانيا: علينا أن نتعرف على الآخر، ونعرف ما هي المبادئ التي يؤمن بها، وما هي القيم التي يحترمها، وما هي القاعدة التي تحكمه؟ إذا عرفنا هذه المبادئ استطعنا من خلالها أن نتكلم.
قد نجد قيما مشتركة كما في قوله تعال : ((قولوا آمنا بالله و ما أنزل إلينا و ما أنزل إلي إبراهيم وإسماعيل وإسحاق والأسباط.. )( وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم و إلهنا وإلهكم واحد))، هذه قيم مشتركة بيننا و بينكم لماذا ننطلق إلى التفريعات؟
وأنا أقول: إننا نشترك مع الغرب حتى في لغتهم ! فاللغة الغربية فيها مفردات الصلاة والنبي والصوم فإذا قدمت له نفسك و مصطلحاتك فسيفهم هذه اللغة. و ليتضح الأمر أكثر أذكر أنّ أحد الغربين في القرن التاسع عشر كان يقول: إنّ الشيطان هو الذي علّم اليابانيين هذه اللغة حتى لا يدخلها الإنجيل! لأن لغة اليابانيين ليست فيها المفردات الدينية!


* نعود ياشيخنا إلى واجب المسلمين تجاه الأقليات .. ما صفات الداعية الذي يصلح للقيام بواجب البلاغ والإرشاد بين المسلمين هنا ك؟ و هل يمكن لكل داعية أن يقوم بهذا العبء؟
أنا أظنّ أن هذا الدور لا يستطيع أن يقوم به كل داعية و طالب علم لا بد أن يكون لهذا الداعية خلفية عن الواقع، و أن تكون له سعة أفق و اتساع نظرة، و أن يعرف أنّ الإسلام له عباءة واسعة يمكن أن تضم كثيراً من الأعراف و الأعراق و العوائد التي لا تنافي جوهر الإسلام و المتغيرات التي لا تنافي ثوابت الإسلام، و لهذا أنا أظنّ أنّ الداعية الذي يذهب إلى الغرب ينبغي أن تكون له مواصفات معينة، و أن يتلقى تكويناً معيّناً و أن يتكلم بلغة الغرب، و لست أعني باللغة لغة المفردات فقط، و إنما أعني أيضا لغة المنطق و لغة العقل التي يتحدث الناس بها في الغرب، أما الداعية الذي لا يتصف بهذه الصفات فإنه في كثير من الأحيان يضر أكثر مما ينفع.
و أحب أن أشير إلى قضية مهمة و هي أننا بحاجة إلى نوعين من الدعاة: من يعلّم الناس أمر دينها من صلاة و صيام و زكاة و ما إلى ذلك؛ لأن المسلمين في ديار الغرب يحتاجون إلى أن يتعلموا أحكام دينهم و أن يعمروا أوقاتهم بعبادة الله تعالى، لأنّ أكثرهم عمال يغدون صباحاً و يروحون مساءً فهم بحاجة إلى من يصرف معهم و يصرفون معه بعض الوقت ليتعلموا أمور دينهم. أما النوع الثاني من الدعاة فهم دعاة تثبيت العقيدة و الفكر والرؤية الاجتماعية و التعايش في ديار الغرب و هؤلاء يحتاجون إلى فقه كثير، و سمات خاصة تميزهم.


فقه الأقليّات


* سيدي .. مفاد حديثكم أنّ للقوم هناك فقهاً غير الفقه المألوف في ديار الإسلام، وفي حوار أجريناه في الجسور مع العلامة ابن جبرين قال عن فقه الأقليات: " لا أصل له، فإنّ الأحكام متفقة والشريعة كاملة، وهؤلاء الأقلون يغلب عليهم التفرد بالأقوال الغريبة ومخالفة نصوص العلماء الموثوق بهم قديما وحديثاً"، وقال أيضاً: " ولايجوز تكييف الفقه بحسب الزمان أو المكان أو ظرف العمل، وليس للإنسان أن يشكل مذهباً فقهيا، ولكن إذا جدّت مسألة يجتهد فيها". هل توافقون على هذه الرؤية؟
أنا أرى أن الأقليات تعيش أوضاع الضرورة، أو الحاجة التي تلامس الضرورة، ولهذا فهي تحتاج إلى فقه فتوىً خاص، صحيح أن الفقه لا يتغير ولكن الفتوى تراعى فيها الضروريات والحاجات واختلاف الأحوال. فالأقليات في أوضاع تلامس الضرورة وبالتالي فإنّ هذه الأوضاع هي أوضاع رخصة وينبغي التيسير فيها.


* ولكن ما رؤيتكم لهذا التيسير؟ وماضابطه؟
أنا أرى أن الفقه يشتمل على أقوال كثيرةٍ، وينبغي أن نسلك بالأقليات السبيل الأسهل في نطاق الأدلّة، وقد وجدتُ أن ضبط المالكيّة للعمل بالقول الضعيف يصلح للأقليات، وبهذه الضوابط نحن لا ننفلت ولا نتتبع الرخص تتبعا مفرطاً ولكن نبقى في حدود المقبول عند العلماء. قال المالكيّة: إنّ الأصل في القول الضعيف ألا يعمل به إلا بشروط ثلاثة:
1ـ ألا يكون ضعيفا جداً.
2ـ أن يثبت عزوه لقائله.
3ـ أن تدعو الضرورة إلى العمل به.
بهذه الشروط يمكن أن نقلّد أبا حنيفة في بعض أقوالِهِ في دار الكفر، ونقلد الإمام أحمد في الجمع بين الصلاتين، وكذلك أشهب من أصحاب مالكٍ في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاءِ، وبهذه الشروط يمكن أن نؤخر الجمعة إلى العصر لتصلّى في وقتٍ متأخر كمذهب مالك، أو نقدّمها كما هو مذهب أحمد، يجب أن نتفقّه ولا نفتي للأقليات بدون فقهٍ، ولكن نرخص لهم في حدود ما هو متعارف عليه عند العلماء، وبذلك يمكن أن نريح الناس.
وينبغي أن نتذكر أن هذه الأقليات تعيش في أوضاعٍ اليد العليا فيه للطرف الآخر، ولذا يجب عليها القيام بمجهود كبير حتى تتعايش مع الآخرين، وبعض من لا يدرك هذا كان يقترح أن تَدْرُسَ الأقلياتُ كتاب (أحكام أهل الذمة)! وهذه مشكلة، إذ أهل الذمّة لنا عليهم اليد العليا، والوضع الآن هناك مختلف تماماً، ولهذا فأنا أرى ألا يفتي أولئك إلا من جمع الفقه الشرعيّ العميق والإدراك الصحيح لواقع القوم هناك، ولا يكفي العلم الشرعيّ دون إدراك الواقع، وقد أشار ابن القيّم مراتٍ إلى أنّ من لا يعرف الواقع يجني على الشرعِ.
ومما أراه أيضاً في شأن الأقلياتِ أنه يجب علينا أن نقدّم لها ملخصات من الفقه تكون في متناول أيديهم بعيداً عن اضطراب الأقوالِ واختلاف الآراءِ؛ لأن الناس هناك يبحثون عن حلولٍ إسلاميّةٍ، وقد خرجت مرة من أمريكا بعد عشرة أيام ولم أستطع الإجابة على كل الأسئلة لكثرتها.


استثمار أحكام العصر المكي


* أشرتم من قبل إلى قضية مهمة و هي استثمار أحكام العصر المكي في جوانب من واقعنا المعاصر، ما نظرتكم إلى هذه المسألة ؟ وهل يسوغ لنا أن نستفيد من جوانب أخرى من أحكام هذا العصر؟ بمعنى هل يمكننا أن نستدعي ذلك العصر بأحكامه الخاصّة في زمان ضعفنا وعجزنا هذا؟
سؤال كبير جداً، و أعتقد أنّ السؤال في ديار الغرب قد يكون مطروحاً، لأنّ الأحكام السلطانية ليست مطلوبة من الأقليات الإسلامية، ويجب على الأقليات أن تفهم هذا، المناداة بتطبيق الحدود في الغرب ليست أمراً صحيحاً و ليست قضية مسلمةً، و المسلمون في أرض الحبشة لم ينادوا بتطبيق الأحكام، و لهذا فالعهد المكي هنا له أهميته، وشيخ الإسلام ابن تيمية قال: إن ّأحكام العهد المكي ليست منسوخة و كل شيء مرتهن بوقته.
ففي ديار الإسلام و في ديار الأكثيرية المسلمة في أوطانها التي تسمح لها القوانين بأن تتعامل مع دينها تُطبّق أحكام الله و حدوده، ولعلها أن تكون قدوة لغيرها حتى تطبق هذه الحدود، والمسلمون متمسكون بالحدود وبكل أحكام الله تعالى، وكلما لاحت لائحة الحرية ينادي الناس بتطبيق الحدود، و انظر إلى نيجيريا مثلاً كيف دعت منذ سنواتٍ قلائل إلى تطبيق الحدود.


* حديثكم هذا يقودنا إلى مسألة اختلاف الفتوى باختلاف الزمان و المكان والأحوال، هل نظفر منكم بكلمة شافية حول هذه القضية الشائكة؟
** أسئلتكم يا شيخ عادل طويلة الذيل كثيرة النيل! هذه المسألة مسألة كبيرة جداً، نحن نعرف أنّ كثيرا من العلماء أكّد على هذا و بخاصة شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم الذي أكد على الاهتمام بالعرف و بالبيئة التي تطبق فيها هذه الأحكام. الفتوى لا شك أنها تتغير و الشاطبي يقول: تتغير الفتوى في النازلة الواحدة باختلاف الشخص. هذا أصل لا نشك فيه لكنه أصل له حدوده. هناك ما نسيمه جدار الإجماع إذا وقف أمامي جدار الإجماع الذي يستند إلى نصّ و هو ما يسمى بالإجماع القطعي و النطقي هنا أتوقف. و كذا إذا كان أمامي النصّ الذي لم يكن مبنياً على عرفٍ معيّن؛ لأن النص المبني على عرف معين اختلف العلماء في دوارنه مع العرف ذكره السيوطي و غيره، أي أنّه نصّ بالمعنى الدقيق عند الجمهور وهو ما لا يحتمل تأويلاً إذا وقف أمامي دون معارض فأقول سمعنا وأطعنا و هذا دأب المؤمن. لكن إذا كانت ظواهر ولهذه الظواهر أعراض، و إذا كان وجد خلاف بين العلماء في مسألة معينة فهنا لا بأس بالترجيح، و أرى أن يكون الترجيح في جانب التيسير، و هنا تختلف الفتوى من بلد إلى بلدٍ و من مكان إلى مكان، وهنا يدخل فقه الأقليات، ويدخل التعامل مع الحاجات بمعناها الفقهيّ الدقيق، إذ بين الحاجة و الضرورة فرق و لكل منهما مساحة لا يتخطاها، فالضرورة هي الشيءُ الذي إذا لم يرتكبّه المكلف المضطر هلك أو قارب الهلاك، أما الحاجة فهي ما يشق على المكلف عدم فعله، وهنا تدخل الحاجة العامّة التي تنزل منزلة الضرورة فيما ليس بقطعي. وفي هذا الباب كلام طيب لابن القيم لم أجده لغيره وهو قوله: "إنّ الحاجة تبيح محرم الوسائل ولا تبيح محرّم المقاصد"، و قد كرر ذلك ثلاث مرات في إعلام الموقعين و في زاد المعاد.
وفي هذا السياق وبهذه الاعتبارات تباحُ كثيرٌ من محرمات الوسائل بسبب الحاجة، ويُعدَلُ في كثير من مسائل الاختلاف إلى الشق الذي كان ضعيفاً،كمسألة شراء البيوت بالربا في ديار الكفر و قد أفتينا بجوازه.


* عفوا ، هل لكم أن تبينوا لنا الفرق بين محرم الوسائل و محرم المقاصد ؟
محرم الوسائل: ما حُرّم لكونه وسيلة إلى محرم، و الفعل في نفسه كان مباحاً، كما في قوله تعال : ((و لا يضربْنَ بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن)) فالضرب بالرجل جائز أصلاً، ومنه ما في قوله تعالى: ((لا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدْواً بغير علم))، وابن القيّم يقولُ عن ربا الفضل: إنّه من باب ربا الوسائل؛ لأنّ ربا المقاصد هو ربا النسيئة. وعندك كثير من المسائل في ديار الغرب كغيبة البَدَلَيْنِ في البورصات، و كثير من المسائل التي تحتاج إلى نبش في الفقه لإخراج مسائل الخلاف فيها، و تعضيدِ جانبٍ من جوانب الخلاف على حساب جانب آخر بناء على قاعدة التيسير، وبناء على اختلاف الزّمان و المكان، ولا ينكر تغيّر الأحكام بتغير الزمان و المكان.

 

الصفحة 1 2 3 4


 | عودة لصفحة الحوارات |