|
حاوره: الشيخ عادل با ناعمة |
|
|
|
|
الشيخ ابن بيّـه للجسور:
أرفض النظرة العدائية المطلقة للغرب
ـ لم يكن أحدٌ يتصور قبل قرن من الزّمن أن توجد أقلية مسلمة كبيرة في ديار الغرب؛ لأن الغرب كان منغلقا على نفسه منشغلا بالحروب.
ـ على قادة الفكر في العالم الإسلامي أن يهتموا بظاهرة التعايش في الغرب و أن ينموها و أن يرسخوها، ليكون ذلك سبيلاً لتوطين الإسلام في الغرب.
ـ أرى أن في الغرب مناخا منفتحاً يجب أن نغتنمه و نتعامل معه ونستفيد منه كما استفاد غيرنا.
ـ الإسلام له عباءة واسعة يمكن أن تضم كثيراً من الأعراف و الأعراق و العوائد التي لا تنافي جوهر الإسلام و المتغيرات التي لا تنافي ثوابت الإسلام.
ـ الأقليات تعيش أوضاع الضرورة، أو الحاجة التي تلامس الضرورة، ولهذا فهي تحتاج إلى فقه فتوىً خاص، صحيح أن الفقه لا يتغير ولكن الفتوى تراعى فيها الضروريات والحاجات واختلاف الأحوال.
ـ يمكننا تقليد أبي حنيفة في بعض أقوالِهِ في دار الكفر، وتقليد أشهب في جمع الظهر والعصر والمغرب والعشاءِ، وتأخير الجمعة إلى العصر كماهو مذهب مالك، أو تقديمها للضحى كما هو مذهب
أحمد.
ـ بعض من لا يدرك حال الأقليات اقترح تدريسهم كتاب (أحكام أهل الذمة) وهذه مشكلة، إذ أهل الذمّة لنا عليهم اليد العليا، والوضع الآن هناك مختلف تماماً.
ـ أشار ابن القيّم مراتٍ إلى أنّ من لا يعرف الواقع يجني على الشرعِ.
ـ شاركتُ في كثير من الحوارات مع النصارى ولم يكن من المطروح أن نتنازل عن شيء من ديننا وإنما كان الحوار حوار تعايشٍ وعرض للدين الحق.
ـ علينا أن نقدم أنفسنا كدعاة إسلام و سلام لا كغزاة، و لا كمن يريد فرض نفسه على الآخرين.
ـ نحن نشترك مع الغرب حتى في لغتهم، فاللغة الغربية فيها مفردات الصلاة والنبي والصوم فإذا قدمت له نفسك و مصطلحاتك فسيفهم هذه اللغة.
ـ نحن الآن ننظر إلى أنفسنا كأكثرية في ديارنا لكننا أقلية بالنسبة لهذه القرية الكونية ولذا علينا أن نخاطب غيرنا وإلا فإننا سنكون معزولين عن العالم.
ـ يتحفّظ الكثيرون على (تقنين الفقه) ولو نظرنا إليه على أنّه (تدوينٌ للفقه) كما دوّن الأولون مختصرات المذاهب لسهل علينا قبوله.
ـ المحاكم بحاجةٍ ماسّة إلى مدوّنات فقهية مصوغةٍ صياغةً قانونيّة؛ لأنّ جلّ القضاة اليوم غير مجتهدين، ولأن المعاملات الدوليّة تقتضي أن يكون لدينا دستورٌ قضائيٌّ نحيل إليه.
ـ في سورة آل عمران قوّم الله مسيرة النصر والهزيمةِ على ملأٍ فلم ترفض الصحوةُ أن تقوّم مسيرتُها علناً؟
قال بعض السلفِ:
إنّما العلمُ الرّخصةُ من ثقةٍ، أمّا التشديدُ فكلّ أحدٍ يحسنُهُ.. طالما تمثّلتُ هذه العبارةَ وأنا أصغي إلى الشيخ الجليل العلامة معالي الدكتور عبدالله بن الشيخ المحفوظ بن بيّه.
هذا الرجلُ الفريدُ الذي جمعَ في إهابِهِ نسك العابدِ، واستيعابَ الحافظ، وعقليّة الفقيه، وخبرةَ السياسيّ، وروحَ المربّي، وإشراقةَ الربّانيّ.. كذلك أحسبه والله حسيبُهُ.
ولقد امتاز الشيخ ابن بيّه بأنّه جمع بين العمقِ الشرعيّ الذي يجعله في مصافّ كبار علماء العصر، وبين الممارسة العمليّة للسياسةِ إذْ تولى خمس وزاراتٍ في بلده موريتانيا، وبين
الاحتكاك المباشرِ بواقع الأقليات المسلمة ولا سيّما في أوروبا وأمريكا.. ومن كل هذا المزيج خريج الشيخ بنكهةٍ مختلفةٍ، وشخصيّة علميّة تربويّة سياسيّة متفرّدة.
في هذه القراءة لفكر الشيخِ تطرّقنا معه إلى مشكلة الأقليّات المسلمة، ولا سيّما من حيث التكييف الفقهيّ لقضاياها ونوازلها، حيث بيّن الشيخ أسباب اهتمامه بالأقليات واعتنائه
بقضاياها، وأوضح بجلاءٍ أنّ للأقليّات فقهاً خاصاً بهم، لأن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان، وأنّ هذا الفقه ينبغي أن يبنى على التيسير والرخص التي ثبتت عن الأئمة، وقد أفاض الشيخ
في بيان رؤيته لهذا التيسير وضوابطِهِ لئلا يتحوّل إلى اتباع للهوى.
كما تحدث فضيلتُه عنا الموقف من الآخر الغربيّ، وصرح بأنه يرى الغرب مناخاً مناسباً جدّاً للاستثمار الدعويّ، وأنّ النظرة العدائية
المطلقة للغربِ مذهبٌ مرفوضٌ؛ لأنه يفوت فرصاً كبيرة لتوطين الإسلام هناك. وقال الشيخ: علينا أن نقدّم أنفسنا للغرب وللعالم كدعاة سلام وإسلامٍ لا كغزاةٍ. وأشار ابن بيّه إلى أنّ
الحوار مع الغرب مطلوبٌ، وأنّ هذا الحوار إنما هو حوار تعايش وتحاور، ونعى على أولئك الذين يتصوّرون أنّ مجرّد الجلوس مع النصارى على مائدة الحوار معناه التنازلُ عن الثوابتِ أو
المبادئ. وقد حاول معاليه أنْ يبيّن الأسس الكبرى التي تنبني عليها لغة خطابنا مع الآخر.
كما نبّه الشيخ إلى نقطة مهمّة جداً وهي إمكانيّة استثمار أحكام العصر المكيّ واستدعائها إلى واقعنا، واقع الضعف والذلّة، ونقل قول شيخ الإسلام بأنّ أحكام العصر المكيّ ليست منسوخة،
وإنما كل شيء مرتهنٌ بوقتِهِ.
وعلى كلٍّ فقد جلنا مع الشيخ في نقاط كثيرةٍ مهمّة وساخنة كتقنين الفقه، واستضافة المطبوعات الإسلاميّة لرموز علمانيّة، ونقد الصحوةِ علناً عبر وسائل الإعلام من أجل تقويم مسيرتها،
والنزاع بين مدرسة الفقه ومدرسة الحديث.
ويقيني قارئي العزيز أنك ستجد في هذا الحوارِ كثيراً من المتعةِ والعمقِ وحسن الفهم والتحليل، فإلى إجابات الشيخ حفظه الله.
* عرف عن معاليكم كثرة اهتمامكم بشؤون الأقليات المسلمة و لكم من الجهود في هذا الباب الشيء الكثير. ما سرُّ هذا الاهتمام؟
ربما يكون سبب هذا الاهتمام هو معرفتي الشخصية بأوضاع هذه الجاليات فهي بحكم وضعها تفتقر إلى كثير من العناية التي قد لا
يفتقر إليها المسلمون في ديار الأغلبية المسلمة أو في ديار الإسلام، فالمسلمون هناك مهددون في هويتهم و في ثقافتهم و في أصالتهم وفي دينهم و عقيدتهم. وثمتَ سببٌ ثالث للاهتمام
بالأقليات هو أنّ وجودهم هناك يعتبر كسباً عظيماً للإسلام، إذ لم يكن أحدٌ يتصور قبل قرن من الزّمن أن توجد أقلية مسلمة كبيرة في ديار الغرب؛ لأن الغرب كان منغلقا على نفسه منشغلا
بالحروب التي كانت بين الكاثوليك و البروتستانت حتى إن إعلان حقوق الإنسان في الثورة الفرنسية كان عبارة عن مصالحة بين البروتستانت و الكاثوليك حتى يستطيعوا التعايش، و كثير من
البروتستانت هربوا إلى أمريكا خوفاً من إخوانهم الكاثوليك ، في تلك الأجواء المتوترة بدأ في القرن الثامن عشر البحث عن التعايش هذا البحث عن التعايش اتّسع شيئاً فشيئاً حتى شمل
اليهود ثم هو يتّسع ليشمل المسلمين، و من هنا نشأت أقليات مسلمة لها تأثيرها في قلب الغرب النصراني، و على قادة الفكر في العالم الإسلامي أن يهتموا بهذه الظاهرة -ظاهرة التعايش- في
الغرب و أن ينموها و أن يرسخوها ، و أن يوطنوا الإسلام في ديار الغرب فإن هذا كسب كبير. لقد كان الأجداد يذهبون بخيلهم و رجلهم و أسلحتهم إلى البلاد البعيدة تارة ليكفّوا الغارات و
تارةً ليُسمعوا الناس كلمة الله، و نحن اليوم بحمد الله نستطيع بالكلمة الطيبة و بالمنطق و بالعمل الصالح من خلال هذه الأقليات أن نسمع كلمة الله تعالى في ديار الغرب.
لهذه الأسباب مجتمعة و لعوامل أخرى نفسية و شخصية أرى أنه يجب علي أن أعتني شخصيا و يعتني الإخوان بالمسلمين في ديار الغرب.
* و لكننا نلاحظ أن تركيزكم منصب على الأقليات المسلمة في أوروبا و أمريكا.
نعم؛ لأن هذه المناطق يسكنها كثير من مواطنينا من شمال أفريقيا و العلاقة بها قديمة جداً، ثم إنّ اللغة بيننا مشتركة فنحن
كنا مستعمرة فرنسية، وقد نشأت على تقاليد وأعراف ولغة مشتركة مع هذه المناطق.