حلقة من برنامج الشريعة والحياة في قناة الجزيرة حول "الوقف وطرق استثماره الحديثة"
- تعريف الوقف ومهماته في المجتمع
-
وضع مؤسسات الوقف حاليا والمسؤول عنه
-
كيفية إستثمار الوقف
-
سبل تفعيل مؤسسات الوقف
-
مشاركات المشاهدين
عبد الصمد
ناصر: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وأهلاً بكم في حلقةٍ أخرى من برنامج
الشريعة والحياة، الوقف الإسلامي هو صدقة جارية ومصدر قوة للمجتمع المدني ومدخل
لمشاركة المسلم في الشأن العام من خلال تدبير أمور المعاش بما يصلحها في الدنيا
وبما يؤدي إلى الفلاح في الآخرة ويَبرُز الاهتمام بنظام الوقف الإسلامي في سياق
الحديث عما يسمى بالمجتمع المدني والعمل الأهلي والعمل التطوعي لأنه يكاد يغيب عن
مثل هذه النقاشات والوقف يُشكل مساحة العمل المشترك بين الدولة والمجتمع وله دور
كبير في بناء شبكة واسعة ومتنوعة من المؤسسات والأنشطة الأهلية التي ملأت مساحات
مؤثرة داخل الحياة الاجتماعية بهدف دعم الكيان العام للأمة بما فيه جهاز الدولة
ذاتها والوقف مصدر لعافية المجتمع ككل يمنع من طغيان الدولة على المجتمع وتحكمها
بتفاصيل حياته وقد ترتب على محاربته والعمل على إلغائه أن تزايدت مركزية الدولة وتم
إضعاف المجتمع، فكيف يمكن استعادة دور الوقف في التنمية؟ وماذا عن طرق استثماره
الحديثة في الدعوة والإعلام والتعليم وحاجة الناس وغيرها من مجالات المجتمع؟ وكيف
يمكن ضمان استقلاليته عن الدولة؟ الوقف وطرق استثماره الحديث هو موضوع حلقة اليوم
من برنامج الشريعة والحياة، في هذه الحلقة نستضيف فضيلة الشيخ عبد الله بن بَيَه
وهو نائب رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، فضيلة الشيخ حينما نقول الوقف ماذا
نعني بالوقف؟ وكيف للمسلم أن يقوم به؟
تعريف الوقف ومهماته في المجتمع
|
" |
عبد الله بن بيه: الحمد لله رب العالمين اللهم صلي وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً، الوقف يمكن أن نعرفه تعريفاً بسيطاً بأنه حبس العين أو الأصل وتسبيل الثمرة يعني العين محبوسة أو الأصل محبوس والثمرة مسبلة أي أنها متصدق بها وموجهة إلى الجهة الموقوف عليها هذا باختصار.
عبد الصمد ناصر: لو بسطنا أكثر للمشاهد هذه المصطلحات.
عبد الله بن بيه: هو في الحقيقة تعريف الوقف فيه اختلاف كبير بين العلماء إلا أن هذا الحد هو الحد المشترك بين الجميع.
عبد الصمد ناصر: نريد على الأقل التعريف المتعارف عليه.
عبد الله بن بيه: هو تحبيس الأصل ووقف الأصل بمعنى أن الأصل لا يجوز تحريكه أما ذمرته وغلته ومنفعته فهي مُسَبَلةٌ بمعنى أنها متحركة في سبيل المصاري التي وُقِفَ عليها الوقف ولكن هذا التعريف كما قلت العلماء يختلفون فيه، فهناك من يقول وقف العين على حكم مِلكِ الواقف وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة وهناك من يقول أن هذا الوقف مؤبد وهذا مذهب الجمهور خلافاً لمالك ولهذا يُعرِف المالكية الوقف بأنه موقوف مدة ما يريده أو ما يعينه المحدث لأن الوقف عند المالكية قد لا يكون مؤبداً.
عبد الصمد ناصر: حتى لا نحصر أنفسنا في الخلاف حول تعريف الوقف، للسادة المشاهدين أن يعرفوا ما هي الممتلكات التي قد يوقفها المرء؟ هل هي أموال هل هي بيوت أو مسجد؟
عبد الله بن بيه: أولاً دعنا نُعرِف الوقف تعريفاً سريعاً بأن نقول أولاً هو وقف شيء مملوك وقف مملوك مدة بقائه لازماً مدة وجوده لازماً بقائه في ملك مُعْطِيهِ كما يقول ابن عرفة المالكي ولو تقديراً، هذا الحد كما قلت هو المتفق عليه للحديث الذي أخرجه النسائي وأحمد وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمر..
عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: عليه الصلاة والسلام.
عبد الله بن بيه [متابعاً]: "احبس أصلها وسَبِل ثمرتها" احبس الأصل وسبِل ثمرتها هذا القدر المشترك بين هذه التعريفات، لكن الوقف أيضاً قد يطرق على المال الموقوف ويقال هذا وقف فلان وهذا مال موقوف، إذاً الواقف قد يكون اسماً وقد يكون مصدراً وقد يكون اسماً للشيء الموقوف فيكون كلمة فعل هنا بمعنى مفعول كنسجٍ بمعنى منسوج وهذا وقف أي شيء شئ موقوف.
عبد الصمد ناصر: أن يوقف مثلاً هذا الشخص مسجداً؟
عبد الله بن بيه: نعم لكن هذا الموقوف أو هذا الشيء المملوك هو قد يكون في الأصل لابد أن يكون عقاراً أو لم يتصرف به وثابت لكن العلماء توسعوا ليكون الوقف منقولاً أيضاً فيجوز وقف النقود ويجوز وقف الحيوان وهذا مجال لاختلافات بين العلماء، لكن هذا التعريف الأولي أنا أريد أن أضيف تعريفاً آخر وهو أن الوقف مؤسسته عظيمة جاء بها الإسلام مؤسسة للتضامن خروجاً عن تعريف الفقهاء ومؤسسة للتضامن بين طبقات المجتمع وبين فئات المجتمع، الإسلام جاء بمؤسستين للتضامن مؤسسة واجبة وهي مؤسسة الزكاة ومؤسسة تطوعية وهي مؤسسات الوقف، الأولى من باب العدل والثانية من باب الإحسان، إن الله يأمر بالعدل والإحسان العدل هو الواجبات وإعطاء كل ذي حق حقه الزكاة حق للفقير أما الإحسان فهو مجالاته وميادينه فسيحة والوقف من هذه الزكاة.
عبد الصمد ناصر: كيف للمسلم مثلاً له رغبة في أن يوقف بعض ممتلكاته كيف يمكن أن يقوم بذلك؟
عبد الله بن بيه: بكل بساطة إذا وجدت الإرادة والنية يمكن أن يقول وقفت وحبست أو أن يبني مسجداً ويدعه بين الناس وبينه ليُصلوا فيه حتى الفعل نفسه يمكن أن يكون صيغة لتوقيفه، لا إشكال في ذلك أن يشيد على أنه وقف هذا الأمر أو أنه حبسه أو أن يكتب وثيقة بذلك أو أن يوصي بذلك كل ذلك ممكن، يبقى جانب آخر وهو جانب القوانين التي تحكم البلد في توثيق الوقف وفي قبول الوقف هناك..
عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: على أساس أن هناك قواعد فقهية مشتركة تجمع بين الجميع؟
عبد الله بن بيه: كل المذاهب متفقة على أن إذا قال وقفت وحبست هذا وقف، غير لازم عند أبي حنيفة وحده خلافاً لصاحبيه إلا إذا صدر حكم حاكم يؤدي إلى اللزوم فوقفت وحبست لا تكفي عند أبي حنيفة إلا إذا صالح مع حكم يفيد لزوم الوقف ولهذا في البلاد الحنفية أو التي كانت تحكمها المملكة العثمانية لابد من القيام بدعوى ولو صورية، في بيروت مثلاً في لبنان إذا وقفت وقفاً عليك أن تقوم بدعوة إلى هذا الوقف حتى يحكم القاضي بثبوت الوقف وحينئذ يصبح الوقف لازماً.
عبد الصمد ناصر: طيب قلت قبل قليل بأن الوقف تعبدي واجتماعي من باب العدل والإحسان لخدمة المجتمع وتطويره، كيف يتجلى الجانب الاجتماعي في الوقف يعني ما هي مهمات الوقف في المجتمع؟
عبد الله بن بيه: مهمات الوقف عديدة وبالتالي يمكن أن نقول أن الوقف له رسالته وهذه الرسالة تأخذ أشكال عدة؛ فهناك الرسالة العبادية التعبدية كوقف المساجد والمقابر والمصليات وما يحوط بالمساجد وما يوقف عليها للقيام بنفقاتها وأول وقف هو الكعبة الشريفة هذا أول وقف في الأرض {إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً} يمكن أن نعتبرها أول وقف مع أن الشافعي يقول الوقف من خلاص هذه الأمة المحمدية لكن لعله يريد الوقف بمعناه الاجتماعي، الرسالة الثانية للوقف هي الرسالة الاجتماعية ما معنى الرسالة الاجتماعية؟ معناه أن الوقف يقوم بعمل اجتماعي فهو يحرص على الطبقات الفقيرة يُقَدَمُ إلى المساكين وإلى الفقراء وهذه الأوقاف الأولى كانت هكذا فدعني أذكر لك قصص الأوقاف الأولى، هناك وقفان للصحابة من أول الأوقاف وقف عمر بن الخطاب لما حصل على سهامه في خيبر قال حصلت على مال هو أنفس مال عندي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم "إن شئت حبست الأصل وتصدقت بالثمرة" ففعل ذلك وهناك وقف ويجب وقف أبي طلحة الأنصاري رضي الله عنه لما سمع قول الله جل وعَلاَ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم {لَن تَنَالُوا البِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال يا رسول الله إن أحب مالي إليَ برحاه وكانت بستاناً عظيماً لا تكاد الطيور تنفذ منه من شدة تماسك أغصانه هذا أحب مال إليَ فضعه يا رسول الله حيث شئت فقال النبي صلى الله عليه وسلم "بَخٍ بَخٍ مال رابح" وقال سمعت وهذا يدل على أن أبا طلحة كان متلهفاً ليسمع جواب النبي صلى الله عليه وسلم "سمعت اجعله في الأقربين" فقال فعلت يا رسول الله، نأخذ من هذين الحديثين شيء مهم جداً وهو أن الصحابة كانوا يتوخون في أوقافهم أفضل ما عندهم، عمر يقول أنفس مال هو أنفس مال وأبو طلحة يقول أحب مالي..
عبد الصمد ناصر [مقاطعاً]: أفضل ما عندهم.
عبد الله
بن بيه [متابعاً]: أفضل ما عندهم فالمال الحبيب هو المال الأنفس يجب أن يقدم لله
سبحانه وتعالى، الشيء الثاني بأن الواقف قد لا يكون ثرياً كثيراً فعمر لم يكن له
مال كثير وحصل على هذه السهام فلما حصل عليها أخرجها مباشرة للوقف لأن صدق الشاعر
عندما يقول ليس العطاء من الفضول سماحة حتى تجود وما لديك قليل، فالصحابة كانوا
يعطون من نفيس أموالهم وهذا درس للأغنياء.
عبد الصمد ناصر: شيخ فقط من باب الأمثلة هل حينما يدفع بعض أشخاص أموالهم لبعض الجمعيات الخيرية لبناء مسجد ما في دول آسيوية تكون أزهد أسعاره بناءه أو تكلفة بناء المساجد زهيدة هل يُعَدُ هذا وقفاً؟
عبد الله بن بيه: بطبيعة الحال المساجد هي أوقاف هي من رسالة الأوقاف التعبدية لكن الرسالة الاجتماعية التي تحدثت عنها وهي تضامن بين أفراد المجتمع الذي تقوم به هذه المؤسسة الوقفية لا يقتصر فقط على إعطاء المال للفقير والمسكين ولكن أيضاً على الضمان الصحي وأعطيك حكاية؛ يَذْكُرُ الحافظ أبو العباس الونشريسي في كتابه المعيار في قرطبة عن قرطبة في الأندلس أنت تعرف قرطبة وأنت مغربي في الأندلس كان هناك وقف على المساكين المرضى، المرضى عندهم وقف يقدم إليهم حتى يتعالجوا به فجاؤوا أُناس غرباء إلى قرطبة عَلِمُوا بوجود هذا الوقف فطمعوا فيه فقاموا لدى المحكمة الشرعية يُطالبون بحقهم وحضنهم من هذا الوقف ماذا كان حكم القاضي؟ قال كم أقمتم في قرطبة؟ إذا كنتم قد أقمتم أربعة أيام فأنتم مواطنون من مواطني قرطبة لأن الإقامة التي تقطع السفر عند مالك هي أربعة أيام وهكذا استفاد هؤلاء من الضمان الصحي الذي كان يوفره وقف قرطبة لأبناء قرطبة استفاد منه الغرباء لأنهم أقاموا أربعة أيام