أثر المصلحة في الوقف

 

 

 لكن .. كيف تتحقق المصلحة؟

إن معيار المصلحة هو المعيار الصحيح الذي لا يحيف كما تبين باستقراء النصوص، وأن ميزانها هو ميزان العدل الذي لا يجور، لكن لا توجد -في الغالب- مصلحة محضة عَرِية عن مفسدة أو ضرر من وجه، وقد أوضح ذلك أبو إسحاق الشاطبي خير إيضاح، فالمصلحة إذا كانت هي الغالبة عند مناظرتها مع المفسدة في حكم الاعتياد، فهي المقصودة شرعا، ولتحصيلها وقع الطلب على العباد ليجري قانونها على أقوم طريق وأهدى سبيل، وكذلك المفسدة. و"الغالب كالمحقق".

وتحرير المصلحة المعتبرة التي يمكن أن تؤثر في الوقف: أنها مصلحة غالبة عادة، يُطلب جلبها شرعا. أو مفسدة غالبة عادة، يطلب درؤها شرعا. فإذا لم يقع تحقق غلبة المصلحة على المفسدة فإن الإبقاء على أصل الثبات في الوقف مُسَلم الثبوت، فليست كل مصلحة عارضة يمكن أن تزعزع أركان الوقف أو تَصرف ألفاظ الواقف عن مواضعها أو تحرك الغلات عن مواقعها.

 


 

 هل يجوز استثمار الوقف؟

السؤال المركزي الآن هو: هل بالإمكان -شرعا- تحريك الأموال المرصودة لاستثمارها ليزداد ريع الوقف، ويكون أكثر استجابة للمصالح التي وُقف من أجلها؟، والجواب أن هذا الأمر لا يستبعد، وذلك للاعتبارات التالية:

- اعتبار المصلحة التي من أجلها كان القول بجعل الوفر في أعيان من جنس الوقف، وهو نوع من الاستثمار. فلم يبق بعد ذلك إلا إشكال: المضاربة في ثمن المعاوضة: دون صرفه إلى أعيان من جنس الوقف.

- إذا اعتبرنا القول بجواز وقف العين ابتداء للاستثمار والمضاربة، فنقول: إن ما جاز ابتداء يجوز في الأثناء؛ بناء على المصلحة الراجحة -كما سماها ابن تيمية- ليترتب عليها استبدال الوقف للجدوى الاقتصادية التي ليست ناشئة عن حاجة أو ضرورة، وإنما عن الحاجة الاستثمارية.

- قياسا على جواز المضاربة في مال اليتيم، بل هو أولى من تركه تأكله الصدقة. قال تعالى: )ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير( .

- يُقاس على التصرف في مال الغير بالمصلحة الراجحة، الذي قد يُثاب عليه فاعله.

وقد دل حديث الثلاثة الذين في الغار، (ومنهم الرجل الذي كان مستأجرا أجيرا ...)، على أن التصرف بالإصلاح، وبما هو أصلح: أمر مقبول شرعا.

ومن أوجه مراعاة المصلحة: تقديم ذوي الحاجة والفاقة على غيرهم، والأصل أن يتبع شرط الواقف الذي وقف على ذوي القربى دون تفضيل.

 


 

 الخلاصة

والخلاصة أننا يمكن أن نجزم باعتبار المصلحة في استثمار الأوقاف، مع المحافظة على الديمومة؛ مما يُمكن من إعداد برامج الاستثمار المراعية للناحيتين: الشرعية والمصلحية، ويحافظ على الموازنة الدقيقة بين انفتاح الوقف لمقتضيات "المصالح الراجحة" المحققة أو المظنونة، وبين الإبقاء على الوقفية التي تتمثل في بقاء العين أو ما يقوم مقامها في المحافظة على طبيعة الانتفاع للمستفيد من الوقف بحيث لا تَكُر مراعاة المصلحة بالإبطال على أصل الديمومة والجريان المستمر اللذين يمثلان أساس الحكمة التي تميز الوقف عن غيره من الصدقات والهبات.

وانطلاقا مما تقدم ينبغي صياغة سياسة للمحافظة على الأوقاف، لا سيما في بلاد الغرب حيث يتعين تسجيل المساجد والأوقاف الأخرى باسم هيئات موثوق بها، وإيجاد صيغة لاعتراف السلطان في تلك الديار.


 

اقرأ نص البحث كاملا (من موقع إسلام أون لاين):

§   اختلاف العلماء في إعمال المصلحة في الوقف

§   المشروعات: مصلحية وعبادية.. معقولة وغير معقولة

§   هل تُبنى الأحكام على لائحات المصالح دون دلالة النصوص؟

§   من أمثلة الوقف في التاريخ الإسلامي

§   ما الذي يمكن للمصلحة أن تتدخل به في طبيعة الوقف؟

§   هل يجوز استثمار الأموال المرصودة ليزداد ريع الوقف؟

§   كيف تتحقق المصلحة في الوقف؟

§   من يحقق مناط مصلحة الوقف؟

§   الخاتمة

صفحة 1 2 3


| عودة لصفحة المؤلفات |