|
أثر المصلحة في الوقف
|
|
ما الذي قد تتدخل به المصلحة في طبيعة الوقف؟ السؤال الثاني الهام هنا: ما الذي يمكن للمصلحة أن تتدخل به للتعامل مع طبيعة الوقف التي تقتضي سكون اليد وبقاء العين الموقوفة؟. وهنا تختلف أنظار العلماء؛ إلى ثلاثة آراء: · محافظ على عين الموقوف إلى ما يشبه التوقيف والتعبد، وهو مذهب المالكية والشافعية، فلا يجيزون الإبدال والمعاوضة إلا في أضيق الحدود، في مواضع ذكرها البحث. · متصرف في عين الوقف في إطار المحافظة على ديمومة الانتفاع، وليس على دوام العين، ويمثله الحنابلة وبعض فقهاء المالكية، خاصة الأندلسيين. · متوسط متأرجح بين الطرفين، يدور مع المصالح الراجحة حيثما دارت، ويتشكل من بعض الأحناف -كأبي يوسف- ومتأخري الحنابلة -كالشيخ تقي الدين ابن تيمية- وبعض متأخري المالكية.
مظاهر تأثير المصلحة، واعتبارها ويمكن ملاحظة اعتبار المصلحة وتأثيرها في المظاهر التالية: * وقف أموال منقولة لا يمكن الانتفاع بها دون استهلاك عينها: كوقف النقود والطعام للسلف، أو النقود للمضاربة والاستثمار. وهذه المسألة فيها نزاع في مذهب أحمد؛ فكثير من أصحابه منعوا وقف الدراهم والدنانير. قال "المرداوي"، بعد أن نقل أن الصحيح من المذهب عدم وقف الأثمان: "وعنه يصح وقف الدراهم. فينتفع بها في القرض ونحوه، اختاره شيخنا، يعنى الشيخ تقي الدين. وقصر المالكية وقف العين على القرض، ولكن ذلك -من حيث المعنى- لا يمنع تعميمه على غير القرض من الاستثمار، كما قاسوا على العين وقف الطعام للبذور، ووقف النبات دون الأرض ليفرق على المساكين. ووقف الطعام إذا كان للسلف: كوقف العين، ليس محل تردد؛ لأن مذهب "المدونة" وغيرها الجواز. وفي المذهب الحنفي كان العلامة أبو السعود (عاش في القرن العاشر الهجري) من أشد المدافعين عن جواز وقف النقود والمنقولات التي تزول وتحول. وهذا واضح في جواز وقف ما يحول ويزول كالطعام، وما في حكمه مما لا يمكن الانتفاع به إلا باستهلاك عينه، وبهذا ندرك أن المصلحة أثرت في الانتقال عن الأصل المعروف في: "أن الوقف إنما يكون عقارا أو منقولا، لا يتضمن الانتفاع به استهلاكَ عينه عند الجمهور"، إلى أن أصبح الوقف أموالا سائلة تتناولها الأيدي، وتتداولها الذمم. * أثر المصلحة في تغيير عين الموقوف بالمعاوضة والتعويض والإبدال والاستبدال والمناقلة. * مراعاة المصلحة في الإبدال والمعاوضة، والتصرف في غلة الوقف بإنشاء أو مساعدة وقف آخر على سبيل البت، أو سبيل السلف، واستثمار غلته لتنميته. وقد أجاز المالكية المعاوضة "للمصالح العامة" كما سماها أبو زهرة، وأن ما هو لله فلا بأس أن يُنتفع به فيما هو لله. ويقول "ابن لب": "كان فقهاء قرطبة وقضاتها يبيحون صرف فوائد الأحباس بعضها في بعض". * تغيير معالم الوقف لمصلحة. * التصرف في الوقف بالمصلحة مراعاة لقصد الواقف المقدر بعد موته: وهو ما ذهب إليه بعض المتأخرين من علماء المذهب المالكي، من اعتبار قصد الواقف المقدر بعد موته، لإحداث تصرف في الوقف للمصلحة يخالف ألفاظه. * إجراء العمل في مسائل الوقف: فمن قواعد مذهب مالك رحمه الله اعتماد القول الضعيف إذا جرى به عمل؛ استنادا لاختيارات شيوخ المذهب المتأخرين لبعض الروايات والأقوال لموجِبٍ، كتبدل العرف أو عروض جلب المصلحة أو درء المفسدة، فيرتبط العمل بالموجب وجودا وعدما. وقد أدخل المالكية إجراء العمل في مسائل الأوقاف في ست وعشرين مسألة، وفي بعضها خالفوا مشهور المذهب، وذلك يدل على إعمال المصلحة. وليس ذلك في مذهب مالك فقط، فقد نجد في كلام غير المالكية (ذكر البحث نقلا عن الحنفية والحنابلة) الترجيح بجريان العمل أو بالتعامل، وهما مفهومان قد يعني الأول منهما عمل العلماء في فتاواهم وأحكامهم، ويعني الثاني تعامل العامة في عوائدهم وأعرافهم. |