فتاوى فكرية

 

بقلم الدكتور : مصطفى مخدوم

 

في ظني .. لم يسبق لكتاب أن ظهر في المكتبة الإسلامية الحديثة يأخذ هذا المنحى وبهذه الصورة التأصيلية في الطرح ، والتي جمعت بين مجموعة هامة من القضايا الفكرية المعاصرة والساخنة في نفس الوقت وبين التأصيل الشرعي ، ، وممن هذا التصنيف ؟ إنه من عالم شرعي و رجل سياسي في نفس الوقت ، وهو مع هذا وذاك مفكر إسلامي من الطراز الأول في الفكر الإسلامي المعاصر .. لقد أخرجت هذه المنظومة الثلاثية هذا الكتاب المتألق من مؤلف متألق ..

فبالرغم من أن هذا الكتاب لم يؤلف في الأصل ليكون كتاباً مباعاً في المكتبات أو متداولاً بصورته هذه في الأيدي ، إلاّ أن الأطياف المتجانسة في فصوله تدفع أي باحث لجمعها في مصنف واحد للإفادة منها .

لقد كانت فصول هذا الكتاب عبارة عن محاضرات وأوراق عمل ولقاءات صحفية ، اقيمت في أكثر من دولة وفي أكثر من مؤتمر أو مجمع حواري ، فما بين " جدة حيث الجو المشمس ، إلى باريس حيث وجه الأرض مكسواً بالجليد .. عندما جئت لأشارك في مؤتمر الحوار بين الإسلام والغرب ، ومرة في لندن .. لأقدم مرافعة عن التنوع الحضاري في بحثي عن الديمقراطية والشورى " إلى أن حطت رحاله في مهرجان الجنادرية ليلقي حول مستقبل الثقافة ، وأخيراً من خلال لدعمه لنقاط الالتقاء مع الغير في طرحه للقيم المشتركة ..

لقد كانت مقدمة هذا الكتاب بحد ذاتها فتوى من الفتاوى التي تعرض لها ، وعنونها بـ : ( وجهة نظر في نقاش دائر ) حول قضية الحوار مع الغير ، ولخص فتواه بقوله : " خلاصة الفتوى : أن الحوار مبدأ إسلامي لا غبار عليه ، يكون مشروعاً : واجباً أو مندوباً حسب الموضوعوتوقع النفع من المصالح الدينية والدنيوية " ثم سرد ضوابطه .

أما القضية الأولى فيه فكانت عن الديمقراطية والشورى ، ووضح فيه مرجعية الديمقراطية إلى العصور الرومانية الإغريقية قبل الميلاد ، ثم أصل الشورى في الإسلام وبداياتها وفي أي المجالات تم استخدامها ، وتعرض بعد ذلك للمفارقات بين الديمقراطية والشورى ، وختم هذه القضية بتقسيم الممارسات الديمقراطية في العالم الإسلامي إلى ثلاث فئات . وأوجز نتائج هذه القضية في ثلاث عناصر : ..

1. إمكانية التطور في خطوط متقاطعة او متوازية.

2. الاعتراف بحق التنوع الحضاري .

3. النسبية في المفاهيم الشرقية والغربية .

وفي القضية الثانية : تكلم عن حقوق الإنسان مع تعريفها وتأصيلها وذكر أنواعها وأحكامها ، كما فرق بين حقوق الإنسان في الإسلام وفي الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ، ثم تعرض بشئ من الإيجاز إلى حقوق الإنسان في الإسلام ، وحصر أصولها في أمرين : التكريم والمساواة ، ولم يغفل المؤلف حقوق المرأة وتوضيح الفروقات بين حقوقها في الإسلام وفي الغرب . وختم هذه القضية بقوله : " نحن على وفاق مع مبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ولسنا على وفاق مع حرفيته " .

القضية الثالثة : كانت عن القيم الإنسانية المشتركة ، وقد أصل فيها القيم ومرجعيتها في الإسلام وفي اللغة العربية ، وتعرض إلى اختلاف الفلاسفة في القيم العامة التي لا ترجع إلى دين ولا إلى عادة ولا على عرف ، وكذلك وضح تصور المسلمين الفكري حول الأساس المشترك للقيم الإنسانية وأصلها بالكتاب والسنة .

 

صفحة 1 2 3 4


| عودة لصفحة المؤلفات |