توضيح أوجه اختلاف الأقوال في مسائل من معاملات الأموال
وبين يدي الموضوعات التي سيراها القارئ عن كثبٍ أريد أَنْ أعرض ملاحظةً تكون بمنزلة المقدَّمة لما أنا بصدده وهي :
* إنّ معالجة القضايا المعاصرة في الاقتصاد، كالإيجار المنتهي بالتمليك وقضايا النقود الورقية وغيرها تحتاجُ إلى جهدٍ من الباحث يتمثَّل في مرحلتين أساسيتين:
المرحلة الأولى: تشخيصُ المسألة المعروضة مِنْ حيثُ الواقع، فإذا كانتْ عَقْداً يكون ذلك بالتعرّف على مكوناته وعناصره وشروطه.
* وإذا كان الأمر يتعلّق بذاتٍ معيّنة لإصدار حكم عليها كالنقود الورقية، فإنَّ الباحثَ يجب أن يتعرَّض إلى تاريخ العملات، ووظيفتِها في التداول والتعامل والتبادل، وما اعتراها على مرّ التاريخ من تطور يتعلّق بذات النقد، كمَعْدِنٍ نفيس إلى فلوسٍ، أو يتعلّق بعلاقته بالسلطة وهي جهةُ الإصدار أو بالسّلَع والخدمات، وهذه هي مرحلة التكييف والتوصيف التي لا تنئ كثيراً عن "تحقيق المناط" عند الأصوليين، لأنه تطبيق قاعدةٍ متفقٍ عليها على واقعٍ معيّنٍ أو في جزئيةٍ من آحادِ صورِها .
وهذه المرحلة لا غنى عنها للفقيه فإنّ الحكم على الشيء فرعٌ عن تصوره، وبدون هذا التصور والتصوير يمكن أَنْ يكونَ الحكمُ غيرَ صائبٍ، لأنه لم يصادف محلاً وتزدادُ أهميةَ هذه المرحلة عندما ندرك تعقُّد العقود المعاصرة وانبنائَها على عناصر لم تكن موجودةً في العقود المعروفة لدى الفقهاء مِنْ بيعٍ وسلَم وإجارة وكراءٍ وقِراض وقَرْض ومساقاةٍ ومزارعةٍ وكفالةٍ ووكالةٍ إلى آخرها. فهنا يتوقف الفقيهُ فترةً من الوقت للتعرف على مكونات العقد وردّه إلى عناصرِه الأولى لتقرير طبيعته، وهل هو مشتملُ على شرطٍ ينافي سَنَن العقود المجمع عليها والمختلف فيها . ومن الواضح أن عملية التشخيص في معظمها تستدعى من الفقيه رجوعا إلى بيئات هذه العقود وأصول التعامل عند أهلها قبل أَنْ يزنَها بميزانِ الشرع. وأعتقدُ أنَّ الخلاف بين أعضاء المجامع الفقهية في جملةٍ من المسائل يرجعُ إلى تفاوتُ بين الباحثين في قضية التصوُر والتشخيص أكثرَ مما يرجع إلى اختلافٍ في فهم النُّصوص الفقهية، إذاً فالخلاف هو خلافٌ في علاقة المسألة بتلك النصوص تبعاً للزاوية التي ينظر إليها الفقيه مِنْ خلالها.