جلب المصالح ودرء المفاسد في التعاون الإقليمي والدولي
الشراكة المعرفية بين الحضارات و موقف الإسلام من الآخر:
وانطلاقاً من ذلك كونت الشراكة المعرفية منذ العصر العباسي مع الحضارة اليونانية والهندية والفارسية وأخيراً مع الغرب الذي كان متلقياً وقتها
عن الحضارة الإسلامية كما يقوله المنصفون من الغربيين فيقول رانيلا على سبيل المثال في كتابه "الماضي المشترك أصول الآداب الشعبية الغربية": إن الجزء الأكبر من المعارف الإغريقية في
العلم والفلسفة عن طريق البيزنطيين من خلال الترجمة العربية التي نمّت المعارف، وانتقلت في العصور الوسطى إلى الغرب حيث كانت إسبانيا وصقلية جسرين للمشروعات الضخمة للترجمة.
وقد كانت هناك شراكات اقتصادية وسياسية....
إن الدين الإسلامي ليس دعوة إلى الحرب وليس سبيلا للكراهية وإنما هو دعوة إلى الحب والوئام والعدل والتعاون ويظهر ذلك في نقطتين أولاهما: الإسلام دعوة إلى البر والقسط.
والثانية: مفهوم الجهاد.
وسنقدم ذلك في آيات حاكمة – محكمة بمعنى أن المتشابه يرد إليها (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ
أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَان) (المائدة: من الآية2). وقال سبحانه
وتعالى: (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ
وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة:8). وهذه الآية كما يقول القاضي أبو بكر بن العربي الأندلسي في أحكامه
ويقول المفسر عبد الحق بن عطية في تفسيره الوجيز محكمة أي أن حكمها باق إلى الأبد و لأن بعض الآيات تكون مؤقتة الحكم وهذا ما يسمى بالنسخ فإن هذه الآية ليست من الأحكام المؤقتة.
وهذا يعني أن العلاقة بين المسلمين وغير المسلمين محكومة بهذه الآية فدعونا نتأمل في معانيها إنها تبدأ بنفي النهي وهو بمنزلة رد على من يتوهم ويظن أنه لا يجوز أن يقيم علاقة طيبة مع غير
المسلمين وتذكر وصفين لغير المسلم الذي لم يقاتلنى من أجل أني مسلم وهذا معنى الذين لم يقاتلوكم في الدين فحرف "في" للسببية من أجل دينكم.
أما الوصف الثاني فهو غير المسلم الذي لم يجبرني على النزوح من أرضي ووطني وهذا معنى "ولم يخرجوكم من دياركم "
فما هو جزاء هذا الرجل أو الأمة التي لم تشن عليّ الحرب من أجل الدين ولم تهجرني من بلادي ؟
جزاؤها هو البر والقسط والإقساط ومعناه إعطاء قسط من أموالنا لهم كما يقول أبو بكر بن العربي في أحكام القرآن.
مفهوم الجهاد
لم يكن الجهاد والحروب المتبادلة عائقاً دون التبادل الثقافي والاقتصادي.
ومفهوم الجهاد له إطلاقات متعددة تتمثل أولاً في:
1. مجاهدة العدو الظاهر.
2. مجاهدة الشيطان.
3. مجاهدة النفس.
والمعنيان الأخيران وردا في أحاديث منها ما رواه الأمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن فضالة بن عبيد أنه صلى الله عليه وسلم قال: والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله عز وجل." وهو
حديث حسن.
وقد جاء في حديث ضعيف رواه البيهقي عن جابر أنه عليه الصلاة والسلام قال- عند عودته من آخر غزوة له "تبوك": رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر.
وفسره بمجاهدة الهوى. وخدمة الوالدين جهاد قال عليه السلام: ففيهما فجاهد."
وكثير من العلماء يعتبر مجاهدة النفس أساس الجهاد قال أبو الوليد الباجي الأندلسي: وجاهد عن اللذات نفسك جاهداً فإن جهاد النفس خير جهاد، فما هذه الدنيا بدار إقامة فيعتد في أغراضها
بعتاد.
أما المعنى الأول وهو جهاد الناس فهو المعنى الأكثر انتشارا وهو جهاد غير المسلمين الذي يعني عمليات القتال والحرب والذي وردت فيه آيات كثيرة وأحاديث في فضله وشروطه وضوابطه وكانت له
ممارسات في التاريخ بين المسلمين وغيرهم لا تزال أصداؤها تتردد في أسماع التاريخ ومازالت إلى يومنا هذا موضوع أخذ ورد إفراطاً وتفريطاً وإعجاباً وشجباً فكم من أناس برروا حروبا عدوانية
ومطامع دنيوية بدعوى الجهاد وكم آخرون فرطوا في الجهاد فتقاعسوا عن ردِّ العدو ونكصوا عن مقارعة العدو فكانت النتائج وخيمة وكم حركات غير منضبطة بضوابط الجهاد شوهت سمعة الإسلام وأورثت
المسلمين عنتاً وضياعاً.
وكم متجنٍ على الإسلام معتبرا أن الجهاد لا ينتظر مبرراً وأنه دعوة إلى القتال الدائم ضد غير المسلمين كما يقول القس هانز فوكنج في مقاله المنشور بجريدة ألمانية في فرانكفورت 1991م كما
يحكيه مراد هوفمان.
وأمثال هذا في المقالات الاستشراقية كثير وهم بذلك يبررون حرباً عدوانية ضد المسلمين لتمدينهم وجعلهم مسالمين.
والحق أن مفهوم الجهاد في الإسلام ليس مرادفا دائما للقتال فالجهاد مفهوم واسع فهو سعي إلى الحق ودعوة إليه باللسان وهذا هو المعنى الأول قال تعالى:
{وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً} (الفرقان: من الآية52) في سورة الفرقان أي بالقرآن الكريم أقم عليهم الحجة
وقدم لهم البرهان تلو البرهان ومعلوم أن تلاوة القرآن لا تتضمن أعمالا حربية فليس كل جهاد قتالاً وليس كل قتال جهاداً.
إلا أن الجهاد قد يكون أعمالاً حربية كما أن هناك أعمالاً حربية وليست جهادا ولهذا قسم ابن خلدون الحرب إلى أربعة أنواع وذلك حسب دوافعها قائلا: إن أصل جميع الحروب إرادة الانتقام. نوعان
منها حروب بغي وفتنة: حرب المنافسة (التوسع) وحرب العدوان التي تقوم بها الأمم المتوحشة.
ونوعان عادلان: حرب غضب لله تعالى ودينه وهي جهاد.
وحرب على الخارجين عن السلطان وهي حرب للعناية بالملك كما سماها