جلب المصالح ودرء المفاسد في التعاون الإقليمي والدولي
وإذا ثبت هذا وجب القطع بكونه حجة للمعقول والمنقول:
أما المعقول: فلأنا إذا قطعنا بأن المصلحة الغالبة على المفسدة - معتبرة قطعاً عند الشرع ثم غلب على ظننا أن هذا الحكم مصلحته غالبة على مفسدته - تولد من هاتين المقدمتين ظن أن هذه
المصلحة معتبرة شرعاً والعمل بالظن واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: " أقضى بالظاهر". ولما ذكرنا أنَّ ترجح الراجح على المرجوح من مقتضيات العقول وهذا يقتضى القطع بكونه حجة.
أما النص فقوله تعالى( فاعتبروا) أمر بالمجاوزة والاستدلال بكونه مصلحة على كونه مشروعاً مجاوزة فوجب دخوله تحت النص.
وأما الإجماع: فهو أن من تتبع أحوال مباحثات الصحابة علم قطعاً أن هذه الشرائط التي يعتبرها فقهاء الزمان في تحرير الأقيسة والشرائط المعتبرة في العلة والأصل والفرع ما كانوا يلتفتون
إليها بل كانوا يراعون المصالح لعلمهم بأن المقصد من الشرائع رعاية المصالح فدل مجموع ما ذكرنا على جواز التمسك بالمصالح المرسلة.
التعاون الإقليمي مقدمة ضرورية للتعاون العالمي
أولا: ما هو مفهوم التعاون وبشكل أدق التكتل الإقليمي.
ثانياً: ما هي فوائده
التكتل الإقليمي هو عمل مؤسساتي منظم في شكل اتفاقيات يضم عدداً محدوداً من دول تجمع بينها روابط مشتركة، أبرزها الجغرافية والاقتصادية والثقافية والتاريخية وقد تجمعها رؤى سياسية
مشتركة.
ومن جهة أخرى يشير إلى مصالح مشتركة تربط بين دول الإقليم في مجالات الأمن والاقتصاد والثقافة، وهو ينشأ عن شعور هذه الدول بالتميز.
وأما الفوائد فإن التكتلات الإقليمية توفر قوة تفاوضية مع المنظمات الدولية كمنظمة التجارة العالمية وتوفر فرصة لتنمية متجانسة ومشتركة في مجالات كثيرة والاستفادة من القوة العاملة.
التي تكون أقرب ثقافيا ودينياً لها وكذلك إيجاد مراكز البحث العلمي المشترك.
ولهذا نجد أشد الدول تحمساً للعالمية والعولمة تحرص على تكوين تكتلات إقليمية تتيح لها فضاءً جغرافياً مباشراً للتبادل.
فالولايات المتحدة الأمريكية تنشئ مع كندا والمكسيك منظمة نافتا وتحاول أن تضم إليها دول أمريكا الجنوبية لتكون آفتا.
التعددية
إن التعددية أمر معهود لا يضيق به ديننا الإسلامي ذرعاً على المستويين العام والخاص أو في الفضائين الداخلي والخارجي ذاك أن هذا الدين الكريم
هو موازنة أو قل مواءمة بين متعددين المطلق والزمني وعالم الغيب وعالم الشهادة وبين الروح والبدن.
تظهر التعددية بالنسبة للفضاء الخاص أو داخل الأمة في فتح آفاق الاجتهاد تحت مظلة التوحيد وفي إطار الثابت في مجال المتغير فيأخذ الاجتهاد الذي يرادف الاختلاف المقبول حظه في عالم
المتغيرات والمصالح بحيث لم يسلم باب من أبواب الفقه من اختلاف العلماء بما فيها أبواب العبادات وهو اختلاف ناشئ عن اختلاف الفهوم في لغة الخطاب في معانيها وظلالها وفي الأسباب التي وردت
فيها فهل يخصص السبب أو أن خصوص السبب لا يمنع عموم الحكم. خلاف أصولي يراجع له.
وفي مجملاتها ومبيناتها وفي مطلقاتها ومقيداتها ومنسوخها وناسخها وهو اختلاف في دلالات الألفاظ.
قال ابن سيده أن الأسباب ثمانية.
وهناك اختلاف آخر فيما يسمى بمعقول النص يرجع إلى الأقيسة والمصالح المرسلة وسد الذرائع والاستحسان.
وهي اختلافات حميدة ولهذا سماها ابن القيم بالاختلاف السائغ بين أهل الحق.
وقال الإمام أحمد عن إسحاق بن راهويه: إنه أعلم من عبر الجسر وإن كنا نختلف معه فما زال الناس يختلفون.
وقد بلغ قبول الرأي الآخر أن بعضهم جعل مراعاة خلاف الآخر دليلا يعتمد عليه – وهو مالك رحمه الله – الذي رفض رفضاً باتاً أن يحمل الخليفة هارون الرشيد الناس على مذهبه في الموطأ.
وقد فسر الفخر الرازي في تفسيره حكمة الله تعالى في جعل القرآن الكريم حمَّال وجوه بقوله: لو كان القرآن محكما- واضحا- بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد وكان تصريحه مبطلا لكل ما
سواه من المذاهب وذلك ما ينفر أرباب المذاهب من قبوله والنظر فيه (2/117)
أما المستوى الثاني من الاختلاف الذي أقره الإسلام وقننه ووضع له أسس التعايش وميزان العدل فهو الاختلاف مع الفضاء الخارجي في نطاق أمة الدعوة وهو ما سميناه بالفضاء العام أو الخارجي وهو
يمثل الموقف من الآخر فقد مثله قوله تعالى {وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (هود: من الآية118)
ووضع الحوار القرآني مبدأ الاعتراف بالغير مدخلا للحوار {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ} (الكافرون:6) مع
الدعوة إلى كلمة سواء.
ولهذا كانت الحضارة الإسلامية سباقة إلى الاعتراف بالحضارات الأخرى والتفاعل معها أخذاً وعطاءً حيث يعتبر الاختلاف آية من آيات الله تعالى {مِنْ
آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَاَلْوَانِكُمْ (الروم: من الآية22). {وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا
وَغَرَابِيبُ سُودٌ} (فاطر: من الآية27)