الحكم الشرعي في بعض عمليات البورصة

إلا أن لدي ثلاثة ملاحظات على القرارات السالفة الذكر وهي:

 

الملاحظة الأولى:

مسألة منع بيع المسلم فيه قبل القبض، وتداول السند الممثل للسلعة المسلم فيها مثال ذلك أن يشتري شخص سلماً كمية من البترول أو الحديد أو النحاس،لتسلم له بعد أربعة أشهر،ويستلم سنداً (وثيقة بدين) تمثل هذه الكمية فلا خلاف بين المجمعين في أنه لا يجوز أن يبيع هذه الكمية حتى يقبضها وبالتالي فإن هذا السند لا يمكن تداوله كما هو الحال في البورصات.

وتعليقاً على هذا –مع الاحترام لقرار المجمعين- أن هذا العقد صحيح ويمكن تداول السندات الممثلة لدين السلم قبل القبض بناء على مذهب مالك والاوزاعي في جواز بيع سلع الدين قبل قبضها وقبل حلول أجلها بما فيها دين السلم ما لم تكن طعاماً. وإليكم النصوص التالية:

قال مالك في الموطأ:( ومن سلف في سلعة إلى أجل وتلك السلعة مما لا يؤكل ولا يشرب فإن المشتري يبيعها ممن شاء بنقد أو عرض قبل أن يستوفيها من غير صاحبها الذي اشتراها منه ولا ينبغي له أن يبيعها من الذي ابتاعها منه إلا بعرض يقبضه ولا يؤخره).

قال القاضي عبدالوهاب البغدادي في المعونة:( وما عدا الطعام والشراب من سائر العروض والعبيد والحيوان والعقار وما ينقل ويحول وما لا ينقل ولا يحول وما يكال وما لا يكال وما يوزن ومالا يوزن كان عيناً معينة أو سلماً مضموناً في الذمة فبيعه قبل قبضه جائز) ص 973.

وقد جمع مالك بين احاديث الباب بأن ردها كلها إلى معنى الطعام. قال أبو عمر بن عبدالبر في حديث حكيم:(ياابن أخي إذا اشتريت شيئاً فلا تبعه حتى تقبضه) حمل الشافعي والثوري هذا الحديث على عمومه في كل بيع وجعله مالك ومن تبعه مجملاً يفسره قوله صلى الله عليه وسلم:(من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه) وكذلك حملوا ربح ما لم يضمن على الطعام وحده.

وقال عيسى: سألت ابن القاسم عن ربح ما لم يضمن؟ فقال:ذكر مالك أن ذلك بيع الطعام قبل أن يستوفيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وربحه حرام. قال وأما غير الطعام من العروض والحيوان والثياب فإن ربحها حلال لا بأس به لأن بيعها قبل استيفائها حلال.

وكذلك قال مالك وقال ابن وهب عن مالك: أرى أن ربح ما لم يضمن: بيع الطعام قبل أن يستوفي وبيع كل ما ابتاع المرء بالخيار شهراً أو شهرين أو أقل أو أكثر من ذلك وكل ما تضمنته من البائع والله أعلم.الإستذكار ج19ص262.

وحجة مالك ومن قال بقوله في هذا الباب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خص الكعام ألا يبيعه كل من ابتاعه حتى يستوفيه ويقبضه فإدخال غير الطعام في معناه ليس بأصل ولا قياس لأنه زيادة على النص بغير نص........)

وأما حديث حكيم بن حزام عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إذا ابتعت بيعة فلا تبعه حتى تقبضه) فإنما أراد الطعام بدليل رواية الحافظ لحديث حكيم بن حزام أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له:(إذا ابتعت طعاماً فلا تبعه حتى تقبضه) الاستذكار ج 20 ص 154.

قلت ووجه الحمل واضح حيث حمل العام على الخاص وهو أمر معهود عند الاصوليين.

ولهذا فإن الفتوى هنا في ديار الاقليات ينبغي أن تكون بمذهب مالك والاوزاعي وهو رواية عن أحمد وتوسعة على العباد وترجيحاً يستند إلى قاعدة التيسير.

أما الملاحظة الثانية:

وتتعلق بصيغة هي الاكثر شيوعاً في البورصات وهي العقد على سلعة مؤجلة الا أن المشتري لا يدفع الثمن عاجلاً وهذا يسمى "بتأجيل البدلين" ولا خلاف بين المجامع في تحريم هذا العقد إلا أنه توجد عقود صححها العلماء وفيها تأجيل البدلين من ذلك بيع أهل المدينة وهي أن تشتري من دائم العمل كالخباز مثلاً ما يحتاج إليه من الخبز شهرياً على أن تدفع له الثمن في نهاية الشهر ويبدأ بتسليم السلعة شيئاً فشيئاً ويسمى ذلك بالاستجرار والمالكية خرجوه على أن قبض الأوائل ينزل منزلة الأواخر،كما أن جواز تأجيل البدلين في عقد الاستصناع أمر معروف وبخاصة في المذهبين المالكي والحنفي كما روى أشهب عن مالك جواز فسخ الدين في منافع الاجارة وهي منافع يتأخر قبضها.

ولا يختلف أكثر أهل العلم في تحريم السلم مع تأجيل البدلين وهو ما يسمى بالنسئة من الطرفين الذي قال عنه ابن رشد في البداية:فأما النسيئة من الطرفين فلا يجوز بإجماع لا في العين ولا في الذمة لأنه الدين بالدين المنهي عنه).

إلا أن التحريم ليس منصوصاً في كتاب ولا سنة وكلمة من أسلف التي وردت في الحديث يصدق على العقد كما تصدق على النقد، ولأن العلة هي الغرر فإذا انتفت عن طريق توثيق البيع في البورصة التي تمثل طرفاً ثالثاً يضمن إيصال كل ذي حق لحقه واعتبرنا أن السلم مستثنى من بيع ما ليس عندك بنص الشارع للحاجة والرفق بالناس فهذا من السلم الذي يحتاج إليه الناس.

أضف إلى ذلك أن مالكاً لا يوجب نقد ثمن السلم (رأس المال) في المجلس بل يجوز تأخيره عنده بالشرط إلى ثلاث وبدون شرط مطلقاً فهذا داخل في العقود المباحة(وأحل الله البيع). وجواز تأجيل البدلين قول سعيد بن المسيب كما نص عليه ابن يونس في جامعه، وابن المسيب اعلم التابعين بالبيوع، وهو أفضل التابعين كما يقول الإمام أحمد رحمه الله واتفق المحدثون والفقهاء على قبول حديثه المرسل وليست هذه الخاصية لغير سعيد رضي الله عنه والحق بعضهم الحسن البصري.

ثم أن عمدة الجمهور هو حديث النهي عن التكالئ بالتكالئ وهو حديث لم يثبت كما صرح به الحافظ وقال أحمد ليس في هذا حديث يصح.

ولو صح فإن العلماء اختلفوا في تفسير الكالئ فذهب المالكية أن معناه فسخ الدين في الدين أي أن يكون لك على شخص مائة ديناً إلى أجل فتبيعها له بمائة وعشرين إلى أجل أبعد فهذا هو فسخ الدين بالدين وهو الكالئ بالكالئ ولهذا اجازوا ابتداء الدين بالدين.

وقال ابن تيمية وهو يمدح مذهب المالكية( فأصول المالكية في البيوع أجود من أصول غيره فإنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب الذي كان يقال:هو أفقه الناس في البيوع كما كان يقال عطاء افقه الناس في المناسك وإبراهيم افقههم في الصلاة والحسن اجمعهم لذلك كله. لهذا وافق أحمد كل واحد في أغلب ما فضل فيه لمن استقر ذلك من اجوبة وأحمد موافق لكالك في ذلك في الأغلب) الفتاوىج29ص26-27.

الملاحظة الثاثة:

اشكال بيع الخيار الذي منعته المجامع والذي يذهب أكثر الفقهاء المعاصرين إلى تحريمه بناء على أنه ليس متمولاً وأن المالية لا تثبت الا بالتمول والتمول حيازة الشئ واحرازه).

على حد عبارة الاحناف فيشترط إمكان الحيازة وإمكان الانتفاع به على وجه معتاد.واذا كان غير الحنفية جعلوا المنافع مالاً وإن كانت لا تحاز مستقلة فحيازتها بحيازة أصلها ومصدرها.

إلا ان المالكية قد أجازوا المعاوضة في بعض المعاملات فقالوا عن ابن رشد إذا قال شخص يسوم سلعة لأخر يريد أن يسومها: كف عني ولك دينار جاز ولزمه الدينار اشترى أو لم يشتر ولو قال كف عني ولك بعضها على وجه الشركة جاز)

واستشكل ابن ملال ماقاله ابن رشد من جواز المعاوضة على ترك الزيادة قائلاً أنه من أكل اموال الناس بالباطل وقال ابن عبدوس: لا اشكال فيه لانه عوض على ترك وقد ترك) يراجع الزرقاني والبناني على هامشه ج5ص90-91.

ويجري على هذه المسألة من اراد أن يتزوج امرأة فقال له آخر كف عن خطبتها ولك كذا)

وكذلك"جواز أخذ شئ من دراهم ونحوها في نظير إباحة صيد من بركة ماء" حسب عبارة الزرقاني ج 5 ص222.

قلت ومعلوم بأن السمك في الماء لا يجوز بيعه لأنه من الغرر والجهالة ولكن حق الاصطياد تجوز المعاوضة فيه.

لعل هذه الفروع عند المالكية تدل على أن العقود يمكن أن ترد على فعل أو ترك امتياز مما يرغب فيع المتعاقدان ويحقق لهما مصلحة. والله تعالى أعلم.

خلاصة البحث:

فتحصل من هذا أن ما يجري في البورصات:

 - 1إذا كان اشتراء لأسهم شركات فهو جائز أياً كانت عقارية أو صناعية أو تجارية ذات أصول لا يغلب على رأس مالها الدين وكان الثمن معجلاً. سواء كانت في طور التأسيس أو قائمة بالفعل باعتبار صك السهم انما يعتبر وثيقة بحصة شائعة في موجودات الشركة.

 -2 إن أسهم الشركات التي تتعامل بالحرام أو في حرام لا يجوز اشتراؤها ولا يجوز الاقتراض الربوي لشراء الاسهم.

 -3 تفاصيل ضمان الاسهم وتقسيط السداد والسهم لحامله لا مانع منها طبقاً لما ورد في قرارات المجمع.

 -4 البيع العاجل ثمناً ومثمناً مع وجود السلع أو ايصالات ممثلة لها بشروط البيع المعروفة ويمكن أن تضمن العقد ضمان هيئة السوق.

 -5 بيع السلعة المشتراة قبل قبضهاإذا لم تكن طعاماً- وتداولها على مذهب مالك عكساً لما ورد في قرارات المجمعين.

 -6 جواز تأجيل البدلين بأن يكون العقد على سلعة آجلة ليكون تسلم السلعة مقروناً بتسليم الثمن للأدلة التي ذكرناها عكساً لما ورد في قرارات المجمعين.

 -7 جواز اشتراء حق الخيار لكن لا يمكن تمديد أجل الخيار أو تأخير التسليم مقابل عوض لأنه من باب أما أن تقضي أو تربي.

 -8 تجب دراستها مع الاختفاظ في الوقت الحاضر بموقف المجمع الفقهي المتمثل في المنع.

أولاً: مسألة الاسهم الممتازة التي لها خصائص تؤدي إلى ضمان رأس المال أو ضمان قدر من الربح.

ثانياً: مسألة التصفية دون تسلم السلعة المتعاقد عليها.

هذه نتائج موجزة بنيناها على جهد مجامعنا الموقرة وأضفنا إليها بعض الاراء التي توخينا فيها أن لا تكون مصادمة لنص صريح من كتاب أو سنة أو قاعدة قطعية مع تقيدنا بالعزو إلى من يقتدى به من هذه الامة وبذلك نخلص أنفسنا من ربقة مخالفة الاجماع التي قد يتصورها المرء بادي ذي بدء. ورائدنا إن شاء الله هو التيسير في ظروف الاقليات التي هي ضروف ضرورة، أو حاجة تلامس الضرورة بناء على قاعدة رفع الحرج، وقاعدة تغير الاحكام بتغير الزمان وقاعدة تحكيم العرف الذي لا يصادم نصاً غير قائم عليه وقاعدة تحقيق المناط لتأصيل فقه التيسير فمن اختار العزيمة وآثر الاخذ بالاشد فذلك له وهو مأجور -إن شاء الله- بحسب نيته إلا أنه يطلب منه أن يتأمل وأن يتجنب إتهام من خالفه فمبدأ حسن الظن في الاختلافات الفرعية يجب أن يسود علاقات أعضاء المجامع الفقهية تطبيقاً لأدب الخلاف الرفيع الذي ورثناه عن السلف الصالح رحمهم الله تعالى.

وأود أن انبه على أن ما ذكرته ليس من باب الفتوى بل هو أراء معروضة أمام سماحة الرئيس حفظه الله تعالى وأعضاء المجلس المحترمين لمناقشة الموضوع وتقدير الحاجة. واستغفر الله العظيم ونسأله التوفيق في القول والعمل

 

الصفحة 321


| عودة لصفحة البحوث |