معايير الوسطية في الفتوى

 

 معايير الوسطية في الفتوى

          
 اقرأ الكتاب على شكل  MS Word    اقرأ الكتاب على شكل PDF

           


الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

الوسطية هي الميزان والموازنة والتوازن بين الثبات والتغير بين الحركة والسكون هي التي تأخذ بالعزائم دون التجافي عن الرخص في مواطنها. وهي التي تطبق الثوابت دون إهمال للمتغيرات.تتعامل مع تحقيق المناط في الأشخاص والأنواع تقيم وزناً للزمان ولا تحكمه في كل الأحيان.تفرق بين المتماثلات بين المتباينات.  إعمال للحاجات وللمصالح وعموم البلوى والغلبة وعسر الاحتراز.ونعني بالوسطية هنا المقارنة بين الكليّ والجزئيّ والموازنة بين المقاصد والفروع والربط الواصب بين النصوص وبين معتبرات المصالح في الفتاوى والآراء فلا شطط ولا وكس.وميدانياً فعن طريق الوسطية نريد تكوين جيل متجذر في تراثه متصالح مع زمانه يتعامل مع الآخرين بسماحة وأيضاً بشجاعة فلا نريد أن يكون شبابنا سباعاً عادية كما قال الشاعر:

     ولكنما أهلي بواد أنسيه     سباع تبغي الناس مثنى وموحداً

ولا نريدهم كذلك خرافاً وبقراً يمد أعناقه للجزار على حد قول الشاعر:

هزبر عدا في شرعة الرمح والعدا     غدوا بقراً يستسهل النحر والذبحاً

نريدهم جيلاً منفتحاً سمحاً عزيزاً أبياً.

وللتدليل على مفهوم الوسطية في الفتوى نقتطف من الموافقات القطوف التالية: إذ يقول الشاطبي: المفتى البالغ ذِروة الدرجة هو الذي يَحمِلُ الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهبَ الشِّدَّة، ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال.

والدليل على صحة هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلفِ الحملُ على التوسط من غير إفراط ولا تفريط، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين.

وأيضاً: فإن هذا المذهب كان المفهومَ من شأن رسول الله r وأصحابه الأكرمين، وقد رد عليه الصلاة والسلام التبتل.

وقال لمعاذ لمَّا أطال بالناس في الصلاة :"أفتان أنت يا مُعاذ ؟". وقال: "إن منكم مُنَفِّرين".

وقال:"سَدِّدوا وقارِبوا واغدُوا ورُوحوا وشيءُ من الدُّلْجة والقصدَ القصدَ تَبلُغُوا." وقال: "عَلَيْكُم مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيقُونَ فإنَّ اللهَ لا يمَلُّ حتى تمَلُّوا". وقال: "أَحَبُّ العَمَلِ إِلَى اللهِ مَا دَاومَ عَلَيْهِ صَاحِبُه وإِنْ قَلَّ".

ورد عليهم الوصال. وكثير من هذا.

وأيضا: فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل، ولا تقوم به مصلحة الخلق. أما في طرف التشديد فإنه مهلكة، وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضا.

لأن المستفتي إذا ذٌهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين ، وأدى إلى الانقطاع عن السلوك طريق الآخرة وهو مشاهد.

وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة.

و الشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى، وإتباع الهوى مهلكة. والأدلة كثيرة"[1].

كيف نضع معايير للفتوى الوسطية من خلال أصول وقواعد محددة تحكم فتاوى المفتى وقراراته.

للإجابة على هذا السؤال بنينا بحثنا على أربع قواعد:

 

أولاً: قاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان:

 

كان لعمل أمير المؤمنين عمر نصيب كبير في تأصيل هذه القاعدة فمن ذلك أن عمر لم يعط المؤلفة قلوبهم مع وروده في القرآن ورأى أن عز الإسلام موجب لحرمانهم.

وكذلك إلغاؤه للنفي في حد الزاني البكر خوفاً من فتنة المحدود وإلتحاقه بدار الكفر لأن إيمان الناس يضعف مع الزمن.   

وأمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يأمر بالتقاط ضالة الإبل وبيعها وحفظ ثمنها لصاحبها كما رواه مالك رحمه الله تعالى عن ابن شهاب الزهري مع نهيه r عن التقاط ضالة الإبل وذلك لما رأى من فساد الأخلاق وخراب الذمم وورث تماضر الأسدية لمّا طلقها عبد الرحمن في مرض موته. 

وأمير المؤمنين علي رضي الله عنه يضمن الصناع بعد أن كانت يد الصانع أمانة قائلا : لا يصلح الناس إلا ذاك.

ويقول الأستاذ صبحي المحمصاني مسجلا موقف الصحابة في كتابه " تراث الخلفاء" : وقد أقروا مبدأ تغير الاجتهاد فتوسع عمر الفاروق بوجه خاص في الاجتهاد وفي تفسير النصوص بما يلائم حكمة التشريع وفلاح العباد ويناسب تطور الزمان والمكان وتقلبات الأحوال . وتعرض في ذلك ل مسائل عديدة منها المؤلفة قلوبهم والطلاق الثلاثي المتسرع وبيع أمهات الأولاد وعدم التغريب في الحدود وإعفاء السارق من القطع عام المجاعة وتطوير عقوبة التعزير تأديباً وزجراً للمذنبين والمجرمين وتحديد عاقلة الدية في القتل والجراح وتفصيل أمور ضريبة الخراج"[2].    

وقد روي عن عمر بن عبد العزيز قوله: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

وقد قال ابن رشد إن لله أحكاماً لم تكن أسبابها موجودة في الصدر الأول فإذا وجدت أسبابها ترتبت عليها أحكامها.

هذه القاعدة وردت في مجلة الأحكام العدلية بعنوان : لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان".

وهي قاعدة ليست على إطلاقها فليست كل الأحكام تتأثر بتغير الزمان فوجوب الصلاة والصوم والزكاة والحج وبر الوالدين والكثير من أحكام المعاملات والأنكحة وكذلك فإن المنهيات القطعية كالاعتداء على النفس والأموال والأعراض وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن وأكل أموال الناس بالباطل ومنها الغش والخيانة ومحرمات عقود الأنكحة ومحرمات عقود البيوع المشتملة على الربا أو الغرر الفاحش أو الجهالة فكل تلك لا تستباح إلا بالضرورات التي تبيح المحظورات.

وبصفة عامة فمحرمات المقاصد التي تعنى أن العقد يشتمل على المفسدة التي نهى الشارع عنها لا تجيزها الحاجة.

وبالعكس من ذلك فإن محرمات الذرائع التي يتوصل بها إلى المفسدة وواجبات الوسائل التي يتوصل بها إلى مصلحة فإنها تتغير بتغير الزمان لأنها تدور مع المصالح جلباً والمفاسد درءاً فإذا رجحت مصلحة على المفسدة التي من أجلها كان الحظر فإن النهي يستحيل تارة إلى تخيير وتارة إلى طلب.

وقد أشار الشارع إلى ذلك في مسائل كان نهى عنها أو أمر بها فمن قبيل النهي: "كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها".

وقد كان r نهى عن ادخار لحوم الأضاحي ثم رفع النهي قائلا: إنما نهيتكم من أجل الدافة فكلوا وادخروا.

وإذا غلبت المشقة سقط الأمر :" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك..          

فالذي يتغير هو الأحكام الاجتهادية وأما القطعيات من الأحكام فلا تتغير فلا يمكن أن تتغير المواريث بدعوى أن المرأة أصبح لها شأن ولا يمكن أن يتغير تحريم ربا النسيئة في بلاد الإسلام ولا تحريم أكل الميتة والخنزير.

فأما الثابت فيبقى ثابتا ما دام الإنسان على هذه الأرض له ضروراته التي لا ينفك عنها يتصف بكل صفاته التي تحتاج إلى ضبط من الشرع فهو ضعيف أمام شهواته } وخلق الإنسان ضعيفا { وهو ظلوم جهول لا يقدر مسئولية أمانته وخلافته في هذا الكون .  

وكذلك فإن تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان أمر معهود نص عليه غير واحد من العلماء كابن القيم والقرافي ولهم سلف من أعمال الصحابة رضوان الله عليهم كما أشرنا وفتاويهم وليس ذلك إلا لترجح مصلحة شرعية لم تكن راجحة في وقت من الأوقات أو لدرء مفسدة حادثة لم تكن قائمة في زمن من الأزمنة والزمن لا يتغير فهو كما قال الشاعر :                    

           ومَا الدَّهْرُ إِلا لَيلَةُ ونَهَارُهَا    وإلا طُلُوعُ الشَمسِ ثُمَ غِيارُهَا

والذي يتغير هو أحوال أهل الزمن والمصالح التي تبنى عليها الأحكام جلباً والمفاسد التي تراعيها الشريعة درء.

ومن رد المحتار : فقد اتفقت النقول عن أئمتنا أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد أن الاستئجار على الطاعات باطل لكن جاء من بعدهم من المجتهدين الذين هم أهل التخريج والترجيح فافتوا بصحته على التعليم للقرآن للضرورة فإنه كان للمعلمين عطايا من بيت المال وانقطعت فلو لم يصح الاستئجار وأخذ الأجرة لضاع القرآن وفيه ضياع الدين لاحتياج المعلمين إلى الاكتساب وأفتى من بعدهم أيضا من أمثالهم بصحته على الأذان والإمامة لأنهما من شعائر الدين فصححوا الاستئجار عليهما للضرورة أيضا فهذا ما أفتى به المتأخرون عن أبي حنيفة وأصحابه لعلمهم بأن أبا حنيفة وأصحابه لو كانوا في عصرهم لقالوا بذلك ورجعوا عن قولهم الأول.

وفي كتاب الفتاوى رسم المفتى في زماننا من أصحابنا إذا استفتى عن مسئلة إن كانت مروية عن أصحابنا في الرويات الظاهرة بلا خلاف بينهم فإنه يميل إليهم ويفتى بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً لأن الظاهر أن يكون الحق مع أصحابنا ولا يعدوهم واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم ولا ينظر إلى قول من خالفهم ولا تقبل حجته أيضا لأنهم عرفوا الأدلة وميزوا بين ما صح وثبت وبين ضده ..إلخ.

ثم نقل نحوه عن شرح برهان الأئمة على أدب القضاء للخصاف. " قلت" لكن ربما عدلوا عما اتفق عليه أئمتنا لضرورة ونحوها كما مر في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن ونحوه من الطاعات التي في ترك الاستئجار عليها ضياع الدين كما قررناه سابقا فح يجوز الإفتاء بخلاف قولهم كما نذكره قريبا عن الحاوى القدسي وسيأتي بسطه أيضا آخر الشرح عند الكلام على العرف .

(والحاصل) أن ما خالف فيه الأصحاب أمامهم الأعظم لا يخرج عن مذهبه إذا رجحه المشايخ المعتبرون وكذا ما بناه المشايخ على العرف الحادث لتغيير الزمان أو للضرورة ونحو ذلك لا يخرج عن مذهبه لأن ما رجحوه لترجح دليله عندهم مأذون به من جهة الأمام وكذا ما بنوه على تغير الزمان والضرورة باعتبار أنه لو كان حياً لقال بما قالوه لأن ما قالوه إنما هو مبني على قواعده أيضا فهو مقتضى مذهبه.

وكذلك في المذهب الحنفي : الأصل أن المرأة إذا قبضت معجل صداقها تلزم بمتابعة زوجها حيث شاء.

ولكن المتأخرين من أهل المذهب لاحظوا فساد الأخلاق وغلبة الجور على النساء فأفتوا بأن المرأة لا تجبر على السفر مع زوجها إلى مكان إذا لم يكن وطناً لها وذلك لفساد الزمان والأخلاق وعلى هذا استقرت الفتوى والقضاء في المذهب"[3].

وقال في رسالته المسماة "رفع الغشاء في وقت العصر والعشاء" لا يرجح قول صاحبيه أو أحدهما على قوله إلا لموجب وهو أما ضعف دليل الأمام وأما للضرورة والتعامل كترجيح قولهما في المزارعة والمعاملة وأما لأن خلافهما له بسبب اختلاف العصر والزمان وأنه لو شاهد ما وقع في عصرهما لوافقهما كعدم القضاء بظاهر العدالة .

ومسألة خيار الرؤية في اشتراء الدار.[4].   

لكن مراجعة كتب الفتاوى كالهندية وقاضيخانيه تبرز بوضوح تأثير المتأخرين في ترجيح كفة الفتاوى وما يفتى به في بلخ وخوارزمه وغيرهما.

ويرى الشيخ أبو الحسن الندوي أن البعض يفترض أن الزمان لا ثبات له ولا دوام بل إنه اسم للتغيير والتحول.

وليس الأمر كذلك بل إن الزمان مركب من الاثنين التغيير والاستمرار وإذا أختل هذا التوازن أختل الوضع.

وضرب مثلاً بالنهر في جريانه الدائم مع أنه لا يزال نفس النهر. 

والدين حارس الحياة ثابت في المنبع ومتغير في جريانه.

وليس الدين مقياس حرارة يقتصر عمله على تسجيل لدرجة حرارة المجتمع وإنما هو معدل لهذه الحرارة ومؤثر في سلوك المجتمعات للارتقاء إلى مراد الحق سبحانه


[1] - الشاطبي             الموافقات         5/277

[2] - المحمصاني                     تراث الخلفاء الراشدين ص 589

[3] - يراجع رد المحتار على الدر المختار والمدخل الفقهي للشيخ الزرقاء ص928

[4] - يراجع ابن عابدين والقواعد للزرقاء 

صفحة 1 2 3


| العودة لصفحة البحوث |