المقاصد في الشريعة

 

ولهذا فيمكن أن نقرر وجود مقاصد كبرى قطعية ثابتة بأكثر من دليل في حكم التواتر ومقاصد ثانوية ثبوتها كثبوت العلل ومقاصد عامة تنتشر في كل باب من أبواب الشريعة ومقاصد خاصة تخص باباً واحداً أو طائفة من أحكام أحد الأبواب.

وبهذا يتضح توالد المقاصد وترابطها وتضامنها وتسلسلها وتراتبها في سلم العموم والخصوص تتدرج بين العام و الخاص وبين الأعم و الأخص. وهناك أيضا مقاصد المقاصد ومقاصد الوسائل.

 وتعرض ابن عاشور لاحتياج الفقيه إلى معرفة مقاصد الشريعة فقال: إن تصرف المجتهدين بفقههم في الشريعة يقع على خمسة أنحاء.

ولبيان ما دندن حوله أبو المقاصد أبو إسحاق الشاطبي والعلامة الشيخ الطاهر بن عاشور رحمهما الله تعالى نقول: إنه يستنجد بالمقاصد في أكثر من ثلاثين منحى من مسائل الأصول يمكن أن نستعير لها كلمة المحائر والأكنسة لأنها مكامن لؤلؤ الحكم ومكانس ظباء المقاصد وجذور أرومتها وأقناس أجناسها.

خلاصة القول: إن المقاصد روح الشريعة وحكمها وغاياتها ومراميها ومغازيها.

وقد تباينت آراء الباحثين حول المقاصد من مبالغ في اعتبارها متجاوز لحدود عمومها حيث جعله قطعياً وجعل شمولها مطرداً غافلاً أو متجاهلاً ما يعترى العموم من التخصيص وما ينبرى للشمول من معوقات التنصيص.

 فألغوا أحكام الجزئيات التي لها معان تخصها بدعوى انضوائها تحت مقصد شامل.

ومن مجانب للمقاصد متعلقاً بالنصوص الجزئية إلى غاية تلغى المقاصد والمعاني والحكم التي تعترض النص الجزئي وتحد من مدى تطبيقه وتشير إلى ظرفيته فهي كالمقيد له والمخصص لمدى اعتباره إلى حد المناداة بإبطال المصالح.

والمنهج الصحيح وسط بين هذا وذاك يعطى الكلي نصيبه ويضع الجزئي في نصابه. وقد انتبه لهذه المزالق الشاطبي رحمه الله تعالى حيث حذر من تغييب الجزئي عند مراعاة الكلي ومن الإعراض عن الكلي في التعامل مع الجزئي.

وبما قدمنا نكون قد رمينا نظرية استقلال المقاصد عن أصول الفقه بالفند وأبنَّا الاندماج بينهما اندماج الروح في الجسد والمعدود في العدد.

           فَإِن لا يَكُنها أَو تَكُنهُ فَإِنَّهُ       أَخٌ أَرضَعَتهُ أُمُّها بِلِبانِها

والقول الفصل إن للمقاصد أصولاً كبرى فوق علم الأصول وأصولاً عامة مشتبكة بمباحث الأصول وأخرى أخص من ذلك إلا أنها في خدمتها مفصلة لها مبينة تارة ومكملة تارة أخرى.

فمنظومة الشريعة لا يعزب عنها حكم ولا تغيب عنها حكمة وقد تفطن الأصوليون للمقاصد الكبرى وهي مقصد العبادة ومقصد الابتلاء والامتثال في مبحث التكليف.    

لكن بحر المقاصد لا يزال زاخراً يتجدد عطاؤه وبخاصة في القضايا المتجددة وذلك في اتجاهين: قضايا لم يقم موجبها في الزمن الماضي ولم تظهر الحاجة إليها: فقام في هذا الزمان كما أشار إليه الشاطبي في احداث الصحابة أحكاماً في قضايا لم يكن مقتضاها قائماً في زمنه عليه الصلاة والسلام ولم يكن من نوازل زمانه كما يقول الشاطبي كجمع المصحف وتدوين العلم وتضمين الصناع. حسب عبارته.     

ولأطبق هذه المعايير سأضرب أمثلة من عدة أبواب لأبدأ بالعبادات". كذا قال الشيخ . وبعد ان ضرب الامثال وقدم البراهين ختم الشيخ المحاضرة قائلا:

"وبهذا نختم هذه المحاضرة التي أردنا أن تكون وجيزة حسب الإمكان ومُلمعة إلى ما وراءها من بيان نرجو أن تكون مقدمة لدراسات معمقة سيقوم بها هذا المركز المبارك إن شاء الله تعالى.

مع تنبيه الحضور إلى أننا لم نرد تكرير الشاطبي ولا ترديد ابن عاشور مع أننا اقتنصنا من شواردهما واستقينا من مواردهما معترفين لهما بالجميل إذ ليس المقلد كالأصيل منشداً قول الأنصاري:

         لَيسَ قَطا مِثلَ قُطَيٍّ وَلا الــــمَرعِيُّ في الأَقوامِ كَالراعي

فهم الرعاة ونحن المرعيون ونحن التابعون وهم المتبعون والله المستعان.

وفقنا الله وإياكم إلى مقاصد الخير وخير المقاصد.

 

 

                                                                             لخصه في عرض سريع

                                                                       الاستاذ: محمدو بن عبدالله بن بيه

 

 

صفحة 1 2 3


| العودة لصفحة البحوث |