المقاصد في الشريعة
والاتجاه الثاني: يرى أن مقصد الشارع ليس في الظواهر ويطرد هذا في جميع الشريعة فلا يبقى في ظاهر متمسك وهؤلاء هم الباطنة وألحق بهؤلاء من يغرق في طلب المعنى بحيث لو خالفت النصوص المعنى النظري كانت مطرحة.
والذي ارتضاه هو الاتجاه الثالث الذي شرحه بقوله:
والثالث: أن يقال باعتبار الأمرين جميعاً، على وجه لا يخل فيه المعنى بالنص، ولا بالعكس؛ لتجري الشريعة على نظام واحد لا اختلاف فيه ولا تناقض، وهو الذي أمّه أكثر العلماء الراسخين؛ فعليه الاعتماد.
إن تقسيم الشاطبي تقسيم دقيق إلا أنه يحتاج إلى تجلية وقد اختلفت المدارس الفقهية بين متمسك بظاهر النصوص مع دليل واحد هو الاستصحاب، وهؤلاء هم أهل الظاهر.
بينما قال الشافعية مع الظاهرية بظاهرها وزادوا بالقياس مع اضطراب في مذهبهم حول الاستصلاح.
وهؤلاء أقرب إلى حرفية النص.
وزادت المدارس المالكية والحنبلية والحنفية على الظاهر والقياس فقالت بالاستدلال وهو لغة طلب الدليل. قال الشوكاني: " وهو في اصطلاحهم ما ليس بنص ولا إجماع ولا قياس ".
وفي آخر القرن الثاني بدأت تتبلور صورة المشهد المتباين والمتساكن والمتداخل والمتقابل وإن كان أئمة المذاهب الثلاثة الحنفية والمالكية والحنبلية لم يعلنوا عن هويتهم إلا من خلال اجتهاداتهم المتناثرة في المسائل التي تجسدت فيما بعد في قواعد فإن الإمام الشافعي رحمه الله سطر أصوله التي كان لدلالات الألفاظ فيها النصيب الأوفر والحظ الأوفى ولم يكتف بذلك فقد أوضح موقفه من الآخرين وبذلك قدم لنا مواقفهم كما يراها فتحدث عن الاستحسان وعن الذرائع معلنا موقفه المبدئي الحاسم منها.
وهكذا تميزت اتجاهات داخل المذاهب الأربعة التي تجمع بينها روابط نسب العلم بالأخذ المباشر بين أئمتها.
وخرجت من عباءة هذا الجدل المقاصد ومن المفارقات أن يكون الشافعية في طليعة مؤسسي الفكر المقاصدي من خلال مقولات إمام الحرمين الجويني وردوده اللاذعة على مذهب مالك وأبي حنيفة فعندما يلج النزاع ويحتدم الجدال وتلتك البراهين على حياض الاجتهاد في محاولة لضبط أوجهه خارج نصوص الكتاب والسنة والإجماع والقياس فيما سمى لاحقاً بالاستدلال كانت المقاصد الوسيلة والمعيار لهذا الضبط لأنها كلية مشككة وإن كانت قطعية بتفاريق أدلة شتى حسب عبارة الغزالي تقريباً.
وقد بدأ البحث عن المقاصد انطلاقاً من الرسالة ورد الفعل عليها والجدل حولها الذي اشترك فيه علماء من مختلف المذاهب أرسخهم القاضي أبو بكر الباقلاني إلا أن الفلسفة المقاصدية كانت مع الجويني سنة478 وتلميذه أبي حامد الغزالي سنة 505 وتلميذه أبي بكر ابن العربي سنة543 والعز بن عبدالسلام سنة660وتلميذه القرافي سنة 682هـ
مع آخرين كالرازي وأبي الخطاب وأبي الحسين البصري وغيرهم من الأصوليين والمتكلمين.
وإن تأخر رد فعل الأحناف ليكون في القرن الثالث فإنهم انخرطوا في جدل مع الشافعية وغيرهم في مختلف قضايا الخلاف التي يرجع بعضها إلى دلالات الألفاظ وبعضها إلى معقول النص أي المقاصد إلا أن تدخل المدارس الكلامية كالأشعرية والماتريدية والمعتزلة والشيعة أثرى الفكر المقاصدي وأوجد أسساً جديدة للحوار الدائر حول المسألة المقاصدية من خلال طرح إشكالية التحسين والتقبيح العقليين ووجوب الصلاح والأصلح أساساً لتعليل أحكام الباري جل وعلا وأفعاله ومسألة الباعث في التعليل فكان الفقيه الأصولي مدفوعاً لخوض غمار علم الكلام وأحياناً السباحة في بحر الفلسفة الأرسطية دون أن يكون قد أعد لها زورقها.
ويعد نثره لتلك الورود أطلعهم مولانا الشيخ على كيفية استنباط المقاصد وسبل استخراجها.
وزاد على ما ذكر الشاطبي وابن عاشور جهة خامسة هي: جهة الترك. وليس الترك مرادفاً للسكوت، فالترك هو فعل متعمد من الشارع.
الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها
نعني بهذا أن المقاصد بعد استنباطها واستخراجها من مكامنها كيف نجنى ثمرتها وكيف .تنجدنا. وترفدنا وتسعفنا وتتحفنا بفوائد تشريعية فأول استثمار لها هو ترشيح المستثمر الذي هو المجتهد ليكون مجتهداً موصوفاً بهذا الوصف لا بد من اتصافه بمعرفة المقاصد لقد بني الشاطبي اجتهاد المجتهدين على دعامتين من المعرفة هما: أولاً: معرفة اللغة العربية فيما يتعلق بدلالات الألفاظ ومقتضيات النصوص.
ثانياً: معرفة مقاصد الشريعة جملة وتفصيلاً إذا تعلق الاجتهاد بالمعاني من المصالح والمفاسد.