الثقافة العربية والمستقبل

1-   إلغاء الشك لليقين.

2-   تحكيم أعراف الزمان.

3-   إزالة الضرر وضرورة الإنسان.

4-   رفع المشقات وإحلال اليسر في التكليف محل العسر.

5-   الجريان في التكليف على المقاصد لا على الصور.

بالإضافة إلى الأدلة التي تستند إلى معقول الشرع كالقياس والاستحسان وسد الذرائع والمصالح المرسلة، أضف إلى ذلك التعامل مع سلم الضرورات والحاجات العامة التي تغير مقتضي الأوامر والنواهي في الشريعة طبقًا لما يسمي بالرخص بأنواعها.

في اللغة: في إحيائها وتعميمها وتفجير معين قواعدها الذي لا ينضب، وغرس شجرتها التي لا تذوي، انطلاقًا من غناها وثرائها في غناها وثرائها في المفرادات والتغير والاشتقاق والأوزان الجموع. فلنا في لغتنا العربية ثلاثون جمعًا يقابلها جمعان في اللغة العبرية التي تعلمت نحوها وضاعت نفسها وأحدثت الشكل والنقط اقتباسًا من العربية في القرن الثامن الميلادي بالأندلس. فهل يغلب جمعان ثلاثين جمعًا؟

في الآداب: بإحيائها نثرًا وشعرًا بمختلف بحوره في أجمل صورة وفي شتي مقاصده، يجب أن تصدح النوادي والبيوت بجماله وفنونه، وتشدو طير الخمائل من جديد على أزهارها المونقة في رياضة المورقة بأنغامه ولحونه.

في العادات والتقاليد: بإحياء الصناعات والتقليد والفنون الجميلة، وباتخاذ كل الطرق التربوية لاستمرار التماسك الأسري، وحب الأدنى، وبر الوالدين، والشهامة والكرم، وإسعاف الآخرين، والوفاء، والبر، والسماحة، كما قال امرؤ القيس:

وتعرف فيه من أبيه شمائلاً
 

 

من خاله ومن يزيد ومن حجر
 

سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا
 

 

ونائل ذا إذا ((بدا وإذا حضر))
 

يجب أن نقدم هذه العادات والتقاليد في مقابل الإنسان الأخير، وهو صورة لإنسان الغرب المستقبلي عند فوكوياما اقتباسًا من الفيلسوف نيتشه، حيث يري أن إنسان الديمقراطية الليبرالية سيكون حرًا بأخلاق العبيد، نذلاً لا قيم له ولا خلق ولا غيرة أناني لا يهتم إلاّ بمصلحته الشخصية وشهوته المنحطة، سيخلع إنسانيته! إنه ((الهلباحة))([1]).

إننا بهذه التقاليد النبيلة التي هي قيم ديننا وتراثنا سنسهم في تقديم أنموذج بشري سوي. إن هذه المكونات الثلاث متجددة في نفسها، باحثة في أعماقها، ستعيد صياغة ذاتها متفاعلة مع بعد المعاصرة في حيويته ومقولاته الإنسانية وبخاصة في علومه وتقنياته التي تقترح آفاقًا جديدة يجب أن تغزي، وتكشف أغوارًا عميقة يجب أن تسبر.

وسائل هذا التجديد: حيث إن خطاب التجديد مسالم، بل متعاطف مع كل فعاليات الأمة، فعلي الجميع حكومات وأفرادًا وجمعيات أن تجد الوسائل الكفيلة بتنفيذه، فالصيغ التنظيمة لا قيمة لها في حد ذاتها إلاّ بقدر ما تؤديه من وظيفة نافعة، إلاّ أن العملاء والمفكرين يتحملون عُظم مسؤوليته، فهم الذين سيقع عليهم عبء ترجمته من سماء النظريات والرؤى الفكرية إلى أرضية التطبيق ليصبح برنامجًا عليمًا يصلح للتنفيذ في ظروف الأمة الزمانية والمكانية، وفي ظروف كل جزء منها على حده.

لهذا فإن الكليات التي أشرنا إليها في الشريعة لملامسة جوانب اسعة من جهة، وضبط المسار بثوابت شرعية ليست وظيفتها رفع الحرج عن ضمير الفرد والجماعة حتى يصبح أكثر انسجامًا مع ما تتطلبه مقتضيات العصر فحسب، ولكن ليكون العمل أكثر إيجابية ولصوقًا بالواقع، يصبح وضع الخطط العلمية ضرورة لقيام ورشة أو ورشات عمل لدراسة تلك المبادئ والأصول والقوعد والكليات في ضوء مقترحات المعاصرة، وعلى خلفية تطوير الأنساق الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، ولا يكتفي أن نستنبط من هذه المبادئ بل علينا تكوين عقليات اجتهادية جبارة كأبي حنيفة وأضرابه، وهذه الخطوة وسيلتها المجامع الفقيهة والجامعات والمراكز الحكومية والخاصة، كما يجوز لأي كان أن يسهم في وضع مفرادتها وتفصيلاتها.

كما أن دارسة التاريخ والسير لن تسمح بتجلية العبقريات فقط، ولكن بمحاولة الإفادة من كيفية تعامل هذه العبقريات السياسية والقيادية مع ظروفها التاريخية.

كما أنه يجب إدماج الدراسات الإنسانية بالدراسات الإسلامية، بخاصة علم النفس الحديث؛ لتكوين الشباب المؤهل نفسيًا لمواجهة التجديد.

وفي اللغة ستكون المجامع للغوية خير وسيلة، وكذلك النوادي، وكل الهيئات والجماعات ذات الصلة.

وإن الصحافة والجامعات والمراكز العلمية يجب أن تكون أكثر نشاطًا وحيوية، ويجب التركيز على البحوث العلمية المتكيفة مع البيئة المحلية.

أيها الإخوة:

إنني في النهاية لست متشائمًا، فإن مستقبل ثقافتنا هو ما سنكون، ومستقبلنا هو ما ستكون، وهو ما نريد جميعًا –بإذن الله- إذا تم الاتفاق وإذا اتفقت حكوماتنا على خطوط محددة في بناء الجسور الثقافية وتحديد معالم استراتيجية ثقافية، ووضع خطط زمنية لتنفيذ مراحلها، طال الزمن أم قصر، فإن من شأن ذلك أن يشكل منعطفًا تاريخيًا في غاية الأهمية، وقد تكون أهمية مساوية لأهمية اتفاق السوق الاقتصادية الذي برزت تباشيره بإعفاء جزئي لبعض السلع، وإنشاء بعض المناطق الحرة للتبادل التجاري.

إن الثقافة العربية قوية البناء الداخلي، راسخة الجذور، خبرت أزمات التاريخ فحولت جبابرة المغول والأتراك إلى أتباع وخدام أوفياء. إن أحزمة أمنها منتشرة في العالم الإسلامية.

وفي الختام:

فإن التجديد الذي نريده سيكون انطلاقًا من القوى المعنوية والتاريخية عبر معادلات ومرتكزات جديدة تنشئ فكرًا خلاقًا مستوعبًا ومضيفًا متجاوزًا الاستجابة والتكيف إلى الاحتراق والإبداع، والأخذ والعطاء، والشراكة الحضارية والندية.

إنه تطور نابع من عبقرية الأمة وحاجتها، شامل لكل ميدان على مستوى التحديد التاريخي، مبلورًا المشروع الحضاري الواعد الواعي، مدمجًا القيم والتاريخ في بوتقة الحاضر والمستقبل، وفي تناغم وتناسق، في خطاب قديم في مضامينه، جديد في طروحاته، أصيل في مقارباته، ولهذا فهو الجديد بالنوع، القديم بالجنس الذي يجعل من التراث حافزًا، ولا يقيم منه حاجزًا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

والله ولي التوفيق.


 

([1]) تراجع مقدمة فوكويا، نهاية التاريخ، الترجمة الفرنسية.

 

 

الصفحة 1 2 3 4


| عودة لصفحة البحوث |