الثقافة العربية والمستقبل

 

ومن داعٍ إلى التمسك بالماضي القريب وذكرياته، ولم ير أصحاب هذا الحل في الغرب إلاّ الانحلال الخلقي والتفكك الأسري وملاجئ الكبار والمسنين آباء وأجدادًا، والتبرّم بالحياة الذي يصل إلى حد محاولة الهروب منها بالقتل، فقد أّكدت الإحصائيات في فرنسا أنه في كل سنة تسجل 165 ألف محاولة انتحار تصل منها اثنتا عشر ألف إلى انتهاء الحياة.

إن في كلا الموقفين شططًا وغلوًا، إن القطعية مع التراث خطيئة والتقوقع فيه خطأ. إن الذي أقترحه هو مقاربة للحل أو تذرع للحل وليس وهو الحل النهائي الأبدي كما يحلو للكثيرين منا أن يصفوا حلولهم لمثل هذه القضايا، وإن الحل الذي أقترحه يرفع شعارًا واحدًا هو شعار التجدد.

ومصطلح التجديد ليس غربيًا على ثقافتنا، فقد ورد في الحديث:

((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها))([1]).

وقد يكون هذا المجدد عالمًا مجتهدًا، كالشافعي مخترع علم أصول الفقه وآليات التعامل مع نصوص الشريعة، وقد يكون ملكًا عادلاً كعمر بن عبد العزيز، وهذا بنص العلماء الأوائل.

وإن مصطلح التجديد كان معروفًا للجاهلية. قال زهير بن أبي سلمي:

هم جدوا أحكام كل مضلة
 

 

من العقم لا يلفي لأمثالها فصل
 

قال الأعلم الشنتمري: يريد بالتجديد أنهم بينوا أمور الحرب، فتجديد تقاليد الحرب والشجاعة هو تجديد الجاهلية.

ومعالم هذا التجديد تتمثل في معادلة: التراث والمعاصرة:

فما هي معالمة إذن؟

إنه تعامل جديد مع التراث بالتعمق فيه، والاستنجاد بإيجابياته، وتحريره وتأصيله، والتنقيب في أعماقه، وتجليته بكل إمكانيات الإشراق حتى يصبح حيًا، فإن الثقافية الميتة لا يمكن أن تكون إيجابية، ولا يمكن أن تتعامل مع الثقافات الأخرى إلاّ بخنوع وتبعية.

إنه تعامل جديد كذلك مع التراث يهدف إلى استكشاف فضاءات الالتقاء الالتقاء ومجالات التماس والتقاطع، وتوسيع قنوات التواصل والاندفاع بقوة إلى المعاصرة فكرًا وعلمًا بندية وكفاءة، وذلك باحتكام إلى ثلاث قيم أساسية: ((العقلانية –العلم- التسامح)).

بناءً على هذه الجدلية بين ثقافة أصيلة حية وثقافة عالمية دينامية فإن النتيجة ستكون تنسيب المواقف من بعض القيم، ومن بعض الأشياء، ومن بعض الأفكار، وتجسير العلاقة بين الأفكار والأشخاص، فبدلاً من واقع قيم تهاجم وقيم تقاوم، سيكون التعاون والتعاضد والتآزر، ولهذا فإن التجديد لن يكون هدمًا للتراث الأصيل بل سيكون عملاً من خلاله، ولن يكون ترميمًا وتلفيقًا بل سيكون دمجًا وأخذًا وعطاءً، فالنهر يتجه إلى مصبّه ويظل أمينًا لمنبعه، كما يقول فيلسوف غربي.

إنه إحياء لثقافتنا عبر منطلقات جديدة بآليات العصر ووسائله، إن التراث سيكون إطار المرجعية، وإن التجديد هو توسيع وعاء الثوابت لتستوعب الحديث، وقولبة الحديث ليستوعب، إنه انطلاق من عقال الحيرة، وتزحزح عن مفترق الطرق، لسلوك الجادة ولوج الفضاء الرحب في انسجام بين الضمير الجمعي ومتطلبات العصر، إنه مزج الأصالة في أجلي الضمير الجمعي ومتطلبات العصر، إنه مزج الأصالة في أجلي صورها بالمعاصرة في أنجح وسائلها وصيغتها. إن الخيار لاستراتيجي للتجديد هو التحرك من خلال التراث إلى المعاصرة ليكون التفاعل بين الاثنين أساس الصيرورة الثقافية.

خطاب التجديد:

خطاب التجديد موجّه إلى الجميع، إلى كل من يبحث عن صالح هذه الأمة انطلاقًا من قناعة أن مستقبل الأمة هو ما سيصنعه الجميع.

خطاب التجديد خطاب متأنٍ مُتّئد حينما يتعلق الأمر بالمقولات والمفاهيم الإنسانية والاجتماعية التي تقترحها المعاصرة، بل إنه يتعامل بشيء من البطء والتروي إلى حد الانتفاء في الوقت الذي يبذل فيه كل جهد لاستيعاب الجانب العلمي والتكنولوجي بأكبر قدر من السرعة المحكمة، مندفعًا للمنافسة في هذا الجانب بكل قوة.

خطاب التجديد خطاب حضاري واعٍ لا يوجهّ اللوم إلى أحد، إذ يعتبر الجميع بفضائلهم ونقائصهم ومزاياهم ورزاياهم ثمرة ثقافة هذه الحقبة التي نعيشها.

إنه دعوة إلى بناء إنسان جديد فخور بأصالته، متفاعل مع عصره، وهو يهدف إلى تنشئة جيل عربي فاعل وليس مفعولاً به، يستطيع بكفاءته الروحية والخلقية والنفسية والعلمية المنافسة في ميدان الحياة ومواجهة القرن القادم بتحدياته ومجهولاته.

خطاب التجديد يوجّه تحذيرًا واحدًا: هو أن الإشاحة بوجوهنا، الإشاحة بوجوهنا، الصدوف والعزوف عن التجديد من منطلق استنطاق ثقافتنا ومنطق اليأس منها، وكذلك الانكفاء على الذات ومنطق اليأس من خير المعاصرة سيخلفان ويخلدان المتمزق والضياع.

وبالعكس فإن أي خطوة جادة نحو فكر التجديد وممارسته ستنعكس إيجابيًا على الإنسانية ومردود الإدارة والإنتاج وقيمة الوقت والعلاقات الإنسانية والأمن البشري، وسيكون المردود إيجابيًا على العالم كله حيث سنوفر معبرًا إلى رحاب التنوع الثقافي لما لعالمنا من صلات تاريخية بنفس التواصل، ولما لموقعنا الجغرافي بين العالم الأصفر والأبيض وتشابك علاقتنا الثقافية مع هذه العوالم.

فما هي أسس التجديد في مكونات الثقافية الثلاث في تعاملها مع بعد المعاصرة؟

إنه ستكون في الشريعة تجلية قيمها وفضائلها، قيم التسامح والعدل والشورى والتعايش والتواصل والروحانية والوحدة والتعدد في إطار الثوابتن وهو تعدد تجلية مرونة الفقه وسمعة أفقه وتنوع دلالته وتوسع نطاق أدلته الإجمالية في ضوء الزمان؛ لتحقيق مقولة هي بالتأكيد حق: إن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان؛ وذلك بتسلط الاجتهاد على الربط المتواصل بين الزمان وبين الشريعة نصوصًا ومقاصد وأصولاً وقواعد، انطلاقًا من مبدأين: العقل المصلحة. وترجمة لثلاثة مقاصد: الضروري الحاجي- والتحسيني وتطبيقًا لخمس قواعد:


 

([1]) رواه أبو داود، والبيهقي، والحاكم.

 

الصفحة 1 2 3 4


| عودة لصفحة البحوث |