الثقافة العربية والمستقبل
وإن اختيار هذا العنوان ((الثقافة العربية والمستقبل)) لندوتنا هذه، ولمهرجان الجنادرية هذه السنة يشير إلى الاهتمام الكبير بهذه القضية التي تعتبر أساسًا للتنمية الاقتصادية، والتطور الاجتماعي، والعلاقات الإنسانية.
وإنه لقلق وإشفاق في محله، وإن الأمر ليس حركًا علينا، فهذه فرنسا يرفع رئيسها عقيرته جاهرًا بالشكوى أمام مؤتمر هانوي الفرنكفوني قائلاً:
((يجب ألاّ يستسقي من نبع ثقافي وحيد، وينبغي أن تحترم الخصائص الثقافية لكل أمة)).
وحتى إن البعض يتخوف من الغزو الثقافي الإسلامي، فيكتب البرتو في جريدة ((بريد المساء)) الإيطالية قبل أشهر ليقول: ((ماذا لو أصبح نصف إيطاليا فقط مسيحًا والنصف الآخر مسلمًا؟)).
إلا أن قلقنا على مستقبل ثقافتنا مبرر بأكثر من سبب، فهناك عوامل داخلية، أي من داخل ثقافتنا، وعوامل خارجية ترجع إلى تأثير ثقافة الغير في ثقافتنا، لعل أبرز هذه الأسباب:
أولاً: وجود ثقافة عالمية عاتية عيل صبرها من رؤية التعدد الثقافي والحضاري تحاول تجاوز المراحل، واختزال الزمان والمكان؛ لتجعل من العالم قبيلة واحدة تتكلم لغة واحدة، تحاول أن تصهر القيم والأعراف في بوتقة واحدة، يكون القدح المعلي فيها لآندي صوتًا والأكثر عدة وعتادًا وعددًا. إنها عالمية تملك الإدارة والتخطيط والوسائل، وتتقمص الشرعية الإنسانية، ومن يراوده أدنى شك فليراجع وثائق مؤتمر السكان في القاهرة، ومؤتمر المرأة في بكين، وهي عولمة حملت المجلة الفرنسية revue litturair الصادرة في نوفمبر على المطالبة بضرورة تضافر الجهود بين فرنسا وألمانيا لتثبيت الثقافة الأوربية في مواجهة العولمة.
ثانيًا: العجز عن اقتراح مشروع ثقافي حضاري شامل يتسلم زمام المبادرة التارخية، يجوز إجماع العرب ويوحد قواهم أمام تحديات القرن القادم، وهذا لا يعني عدم وجود مشروعات حضارية أصيلة وواعدة لدي جهات سوية راشدة من هذه الأمة.
ثالثًا: ردود فعل متباينة ومتضاربة عبّر عنها جسم الأمة تجاه الحالتين السابقين العالمية من خارج الأمة العجز المحلي، ونعني بجسم الأمة تلك الفعاليات المنتجة للمادة الثقافية أو المعيدة لإنتاجها، وهذه الردود قد تكون دوافعها حسنة، هدفها خارجة عن نطاق السيطرة، إذ نزع فيها مقود الحافلة وقفز الركاب جميعًا إلى مقعد السائق كل واحد يريد أن يكون هو قائد الحافلة، فكانت النتيجة أن انقلبت الحافلة..، كما يقول مانسفلد واصفًا الديمقراطية في الدول النامية في صورتها النمطية والظواهر المتزامنة مع التحول، لقد غابت روح التسامح وأعلنت حرب داحس والغبراء في بعض الفضاءات العربي.
رابعًا: عقم الجامعات والمراكز العلمية: فلا إنتاج ولا إسهام في اختراع، كما تؤكده دراسة أعدها بعض الخبراء، يقول فيها:
((إنه في كل سنة يعد حوالي مليوني بحث علمي، وتُطبع مائة ألف مطبوعة علمية، نسبة إسهام المسلمين جميعًا فيها 3%، فكم ستكون نسبة إسهام العرب في تلك النسبة؟)).
خامسًا: ضحالة الإنتاج الفكري في مجال الفلسفة والعلوم الإنسانية، وهي ضحالة لم تستشن الآداب شعرًا ونثرًا والفنون والعمارة.
سادسًا: قصور واضح في الدراسات الإسلامية لاستجلاء الشريعة نصًا وروحًا، وتقدم المنهج الوسطي الذي يحتوي على ثقافة الوئام وإفشاء السلام على من عرفت ومن تعرف، وعن تكوني جبل قوي يفهم أمور دينه ودنياه، مما نتج عنه انفصام بين التعليمين الديني والدنيوي.
سابعًا: انكماش الاجتهاد الفقهي، مما نتج عنه عجز الفقهاء عن مواكبة مستجدات العصر في المعاملات وحتى في العبادات.
ثامنًا: فقر مدقع في أكثر البلاد العربية في وسائل الثقافة.
تاسعًا: أضف إلى ذلك التخلف التنموي الذي يجر موكب الفقر والبطالة وانسداد الأفق بالنسبة لملايين الشباب.
وقد نشأت عن هذه السمات أنساق اجتماعية واقتصادية وتربوية غير قادرة على إشباع حاجات الإنسان العربي وإحلال الأمة بمجموعها في مكانتها لتشكل فضاء محترمًا له مميزاته وخصائصه، منفتحًا ومتواصلاً مع الفضاءات الثقافية الأخرى، مما يشير إلى وجود خللٍ ما في التمثل السلوكي للتراث في الظرف الراهن في التواصل مع مزيج القيم الذي تقترحه المعاصرة على الذات القابلة.
وهو خلل يشترك فيه عاملان: داخلي وخارجي، تداخل فيه الأثر والتأثر والفعل والانفعال مع ما يعنيه من شطط وغلو واستنجاد بشتى السلبيات، إنه خلل في العوالم الثلاثة كما سماها مالك بن نبي: عالم الأشخاص، وعالم الأفكار، وعالم الأشياء وفي علاقة هذه العوالم فيما بينها.
إن ثقافة هذا حاضرها وذلك ماضيها ماذا سيكون مستقبلها؟ إن الحديث عن مستقبلها إما أن يكون على أساس استشراف المستقبل من خلال مؤشرات الحاضر وتفاعلات العناصر المؤثرة إيجابًا وسلبًا، وإما يكون تمنيًا واقتراحًا على المستقبل، وهذا ما أثرناه في هذه المداخلة بحثًا عن الحل للأزمة الثقافية.
فما هو الحل؟ وما هي معالمة وخطابة وأسسه ووسائله؟
لقد سمعنا عن وصفات كثير للحل، ولسان حال المستهدفين بها يقول:
|
بكلٍ تداوينا فلم يشفِ ما بنا |
|
على أنَّ قرب الدار خير من البعد |
|
على أنّ قرب الدار ليس بنافعٍ |
|
إذا كان من تهواه ليس بذي وُدِ |
لقد افترضت أكثر الحلول راديكالية وجذرية وتطرفًا، فمن داع إلى القطعية مع التراث وما تصرف من مادة ((ورث)) ولسان حالةً يقول مع امرؤ القيس:
|
أبيني لنا إن الصريمة راحة |
|
من الشك ذي المخلوجة المتلبس |
فأدار ظهره للتاريخ وقلب له ظهر المجن وانبهر بكل حديث، ولم ير في الثقافة الأصلية إلاّ عيوب التخلف الاقتصادي والظلم الاجتماعي، فغني وشدا بديمقراطية الغرب وتقدمه التكنولوجي وضمانه الاجتماعي.. إلخ. لقد جرّبت ذلك إحدى الأمم فلم تكن تجربتها قمة في النجاح.