الثقافة العربية والمستقبل
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه
عبد الله بن الشيخ المحفوظ بن بيـّـه
وزير المصادر البشرية ووزير العدل والشئون الإسلامية والتعليم بموريتانيا
والأمين الدائم لحزب الشعب - سابقاً-
أستاذ بجامعة الملك عبد العزيز – جدة
نائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين
عضو المجلس الأوربي للإفتاء بدبلن – خبير بالمجمع الفقهي العالمي
إنه موضوع من أهم المواضيع الفكرية التي تطرح على الأمة وبخاصة على المثقفين أسئلتها، وهو موضوع واسع الأرجاء مترامي الأطراف، جلي وغامض واضح ومشكل، حيث أن الصورة العامة لهذه الثقافة مدركة بالحس، وإن كانت معطيات هذه الصورة بعيدة الأغوار مظلمة الجوانب، ولهذا سيكون تعريف بعض المفردات خطوة أولى في تشرفنا لاكتناه حقيقة.
إن الثقافة بالمعني الحديث الذي يترجم كلمة culture فإنه مصطلح قد عرف كما يقول ((كوبر وكلايكون)) بمائة وخمسين تعريفًا لعل أبرزها:
تعريف لاروس الفرنسي حيث يقول:
((إن الثقافة هي مجموع النظم الاجتماعية والمظاهر الفنية والدينية والفكرية التي تتميز بها وتحدد بها مجموعة أو مجتمع بالنسبة للآخر)).
تعريف موسوعة دار الشروق حيث جاء فيه:
((إن مفهوم الثقافة يشير إلى كل ما يصدر عن الإنسان من إبداع أو إنجاز فكري أو أدبي أو فيني أو علمي)).
تعريف الدكتور عبد العزيز بن عثمان التويجري في كتابه ((التنيمة الثقافية من منظور إسلامي)) حيث قال:
((إنها مجمل النشاط الإنساني في حقول الإبداع الفكري والأدبي والفني)).
ويري البعض:
((أنها حصيلة النشاط الاجتماعي في مجتمع وأساليب الحياة والسلوك وأنماط القيم السائدة فيه)).
لكن التعريف الانثروبولوجي الواسع الباحث عن المعتقدات واللغة والمؤسسات العوائد التقاليد لكل مجتمع، وعلاقات الكائنات البشرية بعضها ببضع هو التعريف الأولى في نظري. إلاّ أن المهم هنا أن نعرف أن مصطلح الثقافة مصطلح مراوغ أو يزعم الاستئثار بمدلوله، إلا أنه من المؤكد دخول الدين، والتقاليد، واللغة في أفراد هذه المصطلح.
وسأبدأ بافتراض مسلّمات:
الأولى: افتراض أن الدين الإسلامي، واللغة العربي، والتقاليد العربية، والعادات، هي الثقافة العربية. فهذا الثلاثي هو الذي يشكل المتخيل العربي وخلفية السلوك ومعيار القيم لدي العربي.
هنا اتفق مع اليوت عندما يقول:
((إن الثقافة نتيجة الدين، والدين نتيجة الثقافة حسب الزاوية التي ينظر منها الناظر)).
أتفق مع الفقرة الأولى وأعدّل الفقرة الثانية لتكون ((التدين نتيجة الثقافة)).
وإذا كان هذا الدين هو الدين الإسلامي، وهذه الثقافة هي الثقافة العربية، فهما صنوان متلازمان ملازمة اللازم للملزوم والعرض للجرم.
|
فإلاّ يكنها أو تكنه فإنه |
|
أخو أرضعته أمّه بلبانها |
فالإسلام إذن كان ولا يزال هو الآمر الناهي في حياة العربي بوعي أو بدون وعي.
المسلّمة الثانية: أنه توجد سمات مشتركة بين جميع العرب من معتقدات، وشعائر دينية، ولغة تواصل، وعادات وتقاليد، وحاضر مشترك، وطموح إلى نوع مشترك من المستقبل، وهي سمات تسمح بالحكم بوجود ثقافة عربية واحدة، بالرغم من تفاوت العلاقة بالموروث قربًا وبعدًا، واختلاف شيات وأطياف التفكير والممارسة بين مكونات الأمة، هذا فيما يتعلق بالجزء الأول من العنوان.
أما الجزء الثاني من العنوان وهو المتعلق بمستقبل الثقافة العربي، فإن المستقبل وإن كان ما يجري فيه مجهولاً لا يعمله إلا من لا يجري عليه الزمان جّل شأنه، وهو يجري الزمان، ويمكن للإنسان أن يتعامل معه طبقًا للسنن الجارية التي تجعل الحاضر مقدمة للمستقبل؛ ذلك أن حاضر هو نتيجة ماضينا، كما يقول الكاتب وليام فولكنر من جنوب أمريكا.
إن الحاضر بدأ منذ عشرة آلاف سنة، فإن حاضر ثقافتنا بدا منذ حوالي أربعة آلاف سنة، منذ أن رفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل، ومنذ تزوّج إسماعيل من قبيلة جرهم القحطانية وتكلّم العربية، حيث أصبح للعرب بيت عبادة محجوًج استوجب احترام الأمم أخرى وأثر في بعض الأحيان غيرتها، فجالت في جزيرتهم وصالت، التي لا يحسن اجتياب مفاوزها واصطياد مهاها وظبائها سواهم، فأنشأوا الحواضر في أطرافها جيرانًا لأمم الفرس والروم، واحتفظوا بأرومتهم البدوية في قلبها حيث صقلهم شظف العيش وخشونة الصحراء، فامتطوا صهوات الجياد وذللوا النجائب وناحوا على الرسول والأطلال:
|
ما بكاء الكبير بالأطلال |
|
وسؤالي وما ترد سؤالي |
فأنشدوا أجمل القصائد، وحبروا أبدع الخطب في عكاظ ومجنة وذي المجاز.
لكن خصائص العروبة قد تأكدت، وقيادتها وريادتها قد تأدبت وتأيدت، حينانتشر الضياء من جبال فاران من مكة المكرمة، من الأرض عربة على الدنيا بمبعث سيدنا محمد r بالرسالة الخاتمة من الباري جلّ شأنه إلى الناس كافة، حيث حمل القرآن إلى العالم قيم الخير ومبادئ العدل والإحسان وأحسن عادات قيس وعبس وذبيان وتغلب وشيبان، فتفتقت لغة الضاد بأروع بيان، فاهتز وجدان الأمة وتشكل كيانها، ومدت أجنحتها على الشرق والغرب في صحوة دينية وخلقية وفكرية وإنسانية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فقطفوا ثمار علوم من سبقهم من الأمم من غير خجل ولا وهن، فحققوا ونقدوا واستوعبوا وأضافوا وشادوا وأفادوا، وبذلوا خلاصة ما توصلت إليه الإنسانية في أدق العلوم من فلك ورياضيات وصناعات إلى الإنسانية جمعاء، فأخذ الغرب منها سجلاً كان أساس علومه وتقنياته عن طريق معابر البحر الأبيض المتوسط والأندلس.
وبعد قرون عدة تحولت الحركة إلى رتابة والإبداع إلى تقليد وابتاع، فامتدت يد الزمان إليها، فاستطال الأعداء عليها؛ فأظلم صبحها وفزع سرحها؛ لأسباب معروفة قد يطول شرحها. ذلك هو ماضينا نحمله على كواهلنا بانتصاراته وهزائمه، بأعراس ومآتمه، بكل تراكماته في حاضرنا.