العلامة ابن بيه يقدم" رؤية متبصرة ".للأزمة المالية العالمية ويقول : ان المصرفية الإسلامية  لم تأخذ من المعاملات الإسلامية إلا أقل القليل

 5/10/1430 هـ - 24/9/2009 م

 

في إطار الأنشطة الثقافية الدورية لخيمة مؤسسة طابة للدراسات الإسلامية، وبحضور معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي والبحث العلمي، مع جمع كبير من صفوة العلماء والإفتاء والإعلام ورجال الأعمال؛ ألقى سماحة العلامة عبد الله بن بيه المرجع الإسلامي الكبير محاضرة بعنوان: "كيف يسهم المسلمون في حل الأزمة الاقتصادية العالمية : رؤية متبصرة".

وانطلاقاً من قوله تعالى:" وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" كانت بداية المحاضرة حول جوانب الرحمة الشاملة التي يمكن أن يقدمها المسلمون إلى غيرهم مما يطرح التساؤل أولاً حول ماهية الأسباب التي أدت إلى الأزمة المالية الراهنة ؟ وهل للمسلمين من دور يرتجى في حل تلك الأزمة؟

وقد رد فضيلة العلامة عبد الله بن بيه أسباب الأزمة الراهنة إلى ثلاثة أسباب تندرج ضمن جانبين أساسين، فالجانب الأول وهو الفلسفي يعود إلى عزلهم الاقتصاد عن الأخلاق وسعيهم إلى خلق اقتصاد متحرر من القيم ثم إطلاق الحريات دون ضابط بافتراض رشادة التصرفات وعقلانية السوق مما أسهم في الأخذ بسياسات قائمة على الليبرالية المطلقة في صورتها المتوحشة والتي أثبتت فترة الكساد الكبير في ثلاثينيات القرن الماضي مدى فشل وخطورة تلك السياسات والمبادئ.

أما الجانب الثاني أو العملي فيتمثل من وجهة نظر الفقيه الكبير في ثلاثة أشياء أولها الأخذ بالعمليات الربوية والتي تجعل الاقتصاد في حالة ترقب وتوتر متلازمين، ثم عمليات بيع الديون والتي أدت إلى تسييل مبالغ فيه للأصول وتحول النقود إلى سلع، وثالثها الرهون غير المقبوضة عبر تحويلها إلى سندات وصكوك تتداول بقيم أكبر بكثير من قيمتها الأولية الفعلية.

فهذا عن توصيف الأزمة وتداعياتها المعروفة والتي جعلت الغرب يطرح تساؤلات عدة عن الأسباب وعن العلاج، إذ يذكر الشيخ عبد الله بن بيه عدداً من المقالات التي أكدت على عدم الأمانة سبباً الأزمة وأن المسألة ليست بالمالية في الجوهر بقدر ما هي أزمة أخلاقية ، بل هناك كتابات ركزت على أن القرآن وليس البابا هو الحل المطلوب للأزمة، وأن الغرب لو كانوا اتخذوا من مبادئ القرآن نبراساً لهم في التعاملات المالية بعيداً عن الربا ما حدثت الأزمة، وصدرت عن الفاتيكان وثيقة توصي بالاستفادة من تجربة المصرفية الإسلامية أو البنوك الإسلامية، مما يطرح إشكالية: هل نحن مستعدون حقاً وصدقاً لتقديم العلاج للأزمة العالمية؟ وما هو الخير الذي يمكن أن تقدمه الأمة الوسط في رسالتها للناس الذين أخرجت إليهم؟

يذكر العلامة عبد الله بن بيه أن الإسلام يعطي للمالك حق التصرف المطلق فيما يملك، لكن بصفته خليفة عن المالك الأعلى ويجعل التراضي أصل العقود والمعاملات، وأن نهي الشريعة عن بعض المعاملات إنما لصالح الإنسان ، إذ للمال في الشريعة مقاصد منها الحفظ والعدل والوضوح والشفافية والثبات والرواج، وأن أخذ المال بمقاصده تلك لا يوقعنا في الأزمات الاقتصادية، وقد طبق فضيلته تلك المقاصد على التعاملات التي أدت إلى الأزمة المالية الراهنة وهي العمليات الربوية وبيع الديون والرهون غير المقبوضة.

وإذا كانت الأنظار قد توجهت إلى المصرفية الإسلامية أو تجربة البنوك الإسلامية بحثاً عن بديل، إلا أنها لا زالت تواجه عدداً من الإشكاليات التي تعوق سبل إسهامها في علاج الأزمة المالية الراهنة، ومنها عدم وجود نظام متناسق وموحد لها من ناحية، وأنها لم تأخذ من المعاملات الإسلامية إلا أقل القليل من الأوعية الاستثمارية من ناحية ثانية، وأنها قد تتخذ سياسات مماثلة للبنوك الربوية من قبيل الفوائد التي لا زالت تدور في فلك النقود التي تلد نقوداً من ناحية ثالثة، وأنها في الأخير قد وقعت في بعض المعاملات الربوية التي أفقدتها خصوصيتها الإسلامية.

وقد أعرب معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان عن سعادته باللقاء خاصة في أيام مباركة وأثني على المحاضر والمحاضرة القيمة التي أوضحت جوانب الأزمة الراهنة ومعوقات إسهام المسلمين في تقديم ما يحتاجه الآخر، ثم تتابعت أسئلة الحضور من رجال الإفتاء الرسمي بدولة الإمارات والإعلاميين ومنهم سعادة الدكتور فاروق حمادة المستشار بديوان ولي العهد، حول تفاصيل إسهام المسلمين في حل الأزمة المالية الراهنة و مدى شرعية تعاملات البنوك الإسلامية، واختتمت بشكر الحبيب علي الجفري مدير عام مؤسسة طابة للدراسات الإسلامية، للمحاضر والحضور ومؤكداً أن المسلمين قد تخصصوا في تضييع الفرص السانحة لمخاطبة العالم بما لديهم من حلول ضارباً المثل على ذلك بوقت سقوط الرأسمالية وبخطاب أوباما في جامعة القاهرة، وأن عدم نضج الرؤية والاستجابة المطلوبة قد فوت على الأمة إمداد البشرية بالخير والرحمة.

مثلما طرح الحبيب علي الجفري إشكالية الدفاع عن تجربة البنوك الإسلامية برغم ما يشوبها من قصور أو تجاوز في كثير من الأحيان للضوابط الشرعية ، وهل لنا أن نخاطر بالضبط الأخلاقي وباسم الإسلام في مقابل شعار التسديد والمقاربة؟ في وقت كثرت فيه وراجت نسبة كل المشروعات إلى الإسلام على نحو غير مسبوق ولا معهود في الحضارة الإسلامية، وأننا قد نكون الآن في أمس الحاجة إلى التريث والتعجل وطلب مشورة المراجع الكبار الذين نأخذ عنهم هذا الطرح.

وأضاف الحبيب علي الجفري أن مسئولية طرح البديل الإسلامي أو مدى إسهام المسلمين في حلول الأزمات العالمية إنما تقع بالدرجة الأولى على عاتق شريحتين أساسيتين هما العلماء وأولياء الأمور وعلى شريحتين مهمتين في توضيح الصورة وفي أمانة نقلها وهما رجال الاقتصاد ورجال الإعلام.